مقدمة وعالم الرواية

في قلب سهول يوركشاير القاحلة، حيث تعانق الرياح العاتية تلال الخلنج البرية، تقف قلعة “وذرنغ هايتس” شامخة، كأنها صخرة صماء تحدّت قسوة الزمن ومزاج الطبيعة. إليها يأتي السيد لوكوود، مستأجر “ثروشكروس غرانج”، بحثاً عن العزلة والهدوء، لكنه سرعان ما يجد نفسه أسيراً لقصة تتجاوز كل هدوء، قصة تضج بالشغف والجنون والانتقام.

تبدأ الرواية بوصول لوكوود إلى “وذرنغ هايتس” في ليلة عاصفة، حيث يلتقي ساكنيها: هيثكليف الغامض والقاسي، السيدة الشابة كاثرين لينتون (الصغرى) التي ورثت بعضاً من غضب هيثكليف وسحر كاثرين، والفتى هاريتون إيرنشو الذي يظهر عليه سمات الفطرة البرية والجهل. أثناء إقامته القسرية بسبب عاصفة ثلجية، يكتشف لوكوود نقوشاً غريبة على عتبة نافذة في غرفته، تحمل اسم “كاثرين إيرنشو” بأشكال مختلفة، ثم يراوده حلم مرعب عن شبح كاثرين إيرنشو وهو يطرق النافذة ويستعطفه للدخول. هذه التجربة المريبة تدفعه للبحث عن تفسير، فتسرد عليه إلين “نيلي” دين، الخادمة العجوز والمخلصة في “ثروشكروس غرانج”، قصة هذه الأرواح المعذبة التي ربطت مصيرها بـ “وذرنغ هايتس” و”ثروشكروس غرانج” لأجيال.

تعود “نيلي” بالذاكرة إلى حوالي ثلاثين عاماً مضت، عندما كان السيد إيرنشو، رب “وذرنغ هايتس”، يعود يوماً من رحلة إلى ليفربول مصطحباً معه طفلاً غامضاً، أسود العينين، داكن البشرة، وجده وحيداً ومشردًا في شوارع المدينة. أطلق عليه اسم “هيثكليف”. كان هيثكليف غريباً عن العائلة، لم يعرف أصله ولا نسبه، لكنه سرعان ما استحوذ على قلب السيد إيرنشو الذي أحبه أكثر من ولديه، هندلي وكاثرين. بينما كرهه هندلي، الابن الأكبر، بشدة وعامله بقسوة، نشأت بين هيثكليف وكاثرين، الابنة الصغرى، رابطة فريدة وعميقة، علاقة تتجاوز حدود الأخوة والصداقة، تتسم بالوحشية والطيش والاتحاد الروحي المطلق. كانا يركضان معاً في سهول الخلنج، يتقاسمان الأسرار والأحلام، كانت روحهما جزءاً لا يتجزأ من الأخرى، وكأن الطبيعة البرية قد صقلتهما معاً.

تصاعد الأحداث

بعد وفاة السيد إيرنشو، استغل هندلي إيرنشو فرصة كونه رب البيت للانتقام من هيثكليف. عامله كالخادم، حرمه من التعليم، وجرده من كرامته، دافعاً به إلى حضيض اليأس والإهانة. في المقابل، بدأت كاثرين تنجذب إلى عالم “ثروشكروس غرانج”، منزل عائلة لينتون الثرية والمتحضرة. فبعد حادثة عض كلب لهم، أجبرت كاثرين على قضاء بعض الوقت مع عائلة لينتون، حيث تعلمت آداب المجتمع الراقي وأصبحت فتاة مهذبة وأكثر أناقة، وهو ما زاد الفجوة بينها وبين هيثكليف المتوحش. أُعجبت كاثرين بإدغار لينتون، الشاب المهذب واللطيف والنبيل، الذي كان يمثل كل ما هو حضاري ومغاير لعالم “وذرنغ هايتس” الجامح. وجدت كاثرين نفسها ممزقة بين حبها العميق لهيثكليف الذي يمثل روحها البرية، وبين إغراءات المكانة الاجتماعية التي يقدمها لها إدغار.

في لحظة ضعف وتفكير، وبدون أن تعلم أن هيثكليف كان يتنصت عليها، أخبرت كاثرين “نيلي” بأنها ستقبل عرض زواج إدغار، مبررة ذلك بأن زواجها من هيثكليف سيحط من قدرها اجتماعياً، معترفة في الوقت ذاته بأن روحها ونفسها جزء لا يتجزأ من هيثكليف: “أنا هيثكليف!”. سمع هيثكليف الجزء الأول من كلامها، الذي يمس كبرياءه وكرامته، فغادر “وذرنغ هايتس” في صمت مطبق، تاركاً خلفه قلباً محطماً، لكنه لم يسمع اعترافها الأخير الذي كان كاشفاً عن شغفها الأبدي به. مرت سنوات طويلة، تزوجت كاثرين من إدغار وانتقلت للعيش في “ثروشكروس غرانج”، محاولة نسيان ماضيها مع هيثكليف، لكن روحها كانت تظل معلقة بتلك السهول. عادت السعادة إلى “وذرنغ هايتس” لفترة قصيرة بقدوم زوجة هندلي، فرانسيس، وولدها هاريتون، لكن سرعان ما ماتت فرانسيس بعد الولادة، وغرق هندلي في دوامة الإدمان على الكحول والقمار، غارقاً في اليأس والكراهية.

بعد ثلاث سنوات، يعود هيثكليف بشكل مفاجئ. لقد أصبح رجلاً ثرياً، أنيق المظهر، يبدو وكأنه اكتسب لمسة من الرقي، لكن عيونه كانت تحمل وهجاً مظلماً من الكراهية والرغبة في الانتقام. كانت عودته بمثابة العاصفة التي تقتلع جذور كل ما هو مستقر. بدأ هيثكليف في تنفيذ خطته الانتقامية المعقدة. استغل ضعف هندلي وإدمانه على القمار، وأغراه بالمال ليقرضه ويستحوذ على “وذرنغ هايتس” تدريجياً. ثم بدأ في التلاعب بإيزابيلا لينتون، أخت إدغار، الجميلة والرقيقة، والتي وقعت في حبه الأعمى. كان هيثكليف يعلم أن زواجه منها سيصيب إدغار في مقتل، ويمنحه ورقة قوية في لعبة الانتقام المريرة. تزوجها رغماً عن اعتراضات إدغار وتحذيراته، معاملاً إياها بقسوة وهمجية، كاشفاً عن وجهه الحقيقي المرير، لتبدأ فصول مأساوية جديدة.

ذروة الصراع العميقة

الزواج البائس بين هيثكليف وإيزابيلا، كان مجرد أداة للانتقام. أظهر هيثكليف لإيزابيلا وجهه الحقيقي: الشرير، القاسي، عديم الرحمة، محولاً حياتها إلى جحيم. كانت كاثرين تشاهد كل هذا، ممزقة بين حبها الأبدي لهيثكليف وولائها لإدغار، وبدأ صراع داخلي يعصف بها. بلغت الأمور ذروتها عندما التقى الثلاثة: كاثرين وإدغار وهيثكليف، في مواجهة عنيفة في “ثروشكروس غرانج”. اتهمت كاثرين هيثكليف بتدمير سعادتها وسعادة إيزابيلا، بينما طالب إدغار هيثكليف بمغادرة المنزل. تجادل الاثنان بشدة، وكاثرين بينهما، تتأرجح بين الغضب والحب القديم، لتنهار تماماً. أصيبت كاثرين بحمى شديدة، دخلت على إثرها في نوبات جنون وهلوسة، تتخيل نفسها طفلة هاربة في سهول الخلنج مع هيثكليف، وتلوم إدغار وهيثكليف على تعاستها.

في لحظاتها الأخيرة، وبعد أن علمت باقتراب أجلها، طلبت كاثرين من “نيلي” أن تفتح النافذة لتتأمل سهول الخلنج. رفض إدغار رؤية هيثكليف، لكن “نيلي” أبلغت هيثكليف بمرضها. كان اللقاء الأخير بين هيثكليف وكاثرين هو ذروة الشغف والجنون في الرواية. عانقها هيثكليف بقوة، متهماً إياها بأنها قتلته بقرارها الزواج من إدغار، ومتهماً إياها بأنها السبب في تعاستهما الأبدية، بينما كاثرين تتوسل إليه أن يسامحها، وتؤكد له أن لا أحد يستطيع الفصل بينهما، لا الموت ولا الحياة. كانت مشاعرهما المتضاربة من الحب والغضب والألم، تنفجر في تلك اللحظات الأخيرة. ولدت كاثرين ابنتها “كاثرين لينتون” (كاثي) قبل أن تموت في ساعات الصباح الباكر، بين يدي هيثكليف، معلقة روحها الأبدية بروحه. كان هيثكليف يعوي كذئب جريح، يتوسل روحها أن لا تتركه، أن تطارده، أن تعذبه، لكن لا تدعه يعيش بدونها. دفنت كاثرين في مقبرة كنيسة قريبة، على حافة السهل، حيث الرياح، كما كانت تتمنى، وليس مع عائلة لينتون.

هربت إيزابيلا من جحيم “وذرنغ هايتس” وقسوته المفرطة بعد وفاة كاثرين، بعد أن تعرضت لتعذيب جسدي ونفسي لا يطاق. انتقلت للعيش في جنوب إنجلترا، حيث أنجبت ابنها الوحيد، لينتون هيثكليف، الذي ورث ضعفها الجسدي وشخصيته الأنانية. أما هندلي، فقد مات غارقاً في الكحول والدين، تاركاً ابنه هاريتون تحت رحمة هيثكليف الذي نفذ فيه انتقامه ببراعة: حرمه من التعليم، وجعله خادماً جهولاً وفظاً في “وذرنغ هايتس”، تماماً كما فعل هندلي بهيثكليف في صغره. هكذا، بعد موجة من الخسائر والفجائع، أصبح هيثكليف سيد “وذرنغ هايتس”، ومتحكماً في مصير الطفلين الوحيدين من الجيل القادم: كاثي لينتون، ابنة كاثرين وإدغار، وهاريتون، ابن هندلي.

النهاية بالتفصيل

بعد ستة عشر عاماً، يبرز جيل جديد على مسرح الأحداث: كاثي لينتون، ابنة كاثرين وإدغار، التي ورثت جمال أمها وعنادها، لكنها تربت في كنف “ثروشكروس غرانج”، في عالم من الرقي والتحضر. لينتون هيثكليف، ابن إيزابيلا وهيثكليف، الصبي الهزيل والضعيف والأناني، الذي ورث قسوة أبيه الظاهرة وضعف أمه الجسدي. وهاريتون إيرنشو، ابن هندلي، الذي تربى كخادم تحت هيمنة هيثكليف، فظل جاهلاً وخشناً، لكنه كان يحمل في قلبه طيبة دفينة.

بدأ هيثكليف في تنفيذ خطته النهائية للانتقام، التي تهدف إلى توحيد “ثروشكروس غرانج” و”وذرنغ هايتس” تحت سيطرته، والقضاء على سلالة لينتون. قام باسترجاع ابنه لينتون المريض والضعيف، واستخدمه كأداة للسيطرة على كاثي. دبر هيثكليف لقاءات متكررة بين كاثي ولينتون، وشجع “علاقتهما” التي كانت مبنية على تلاعب هيثكليف براءة كاثي ومرض لينتون. كان لينتون ضعيفاً وساذجاَ، يستخدمه هيثكليف لإغواء كاثي والحصول على ممتلكاتها. وعندما احتضر لينتون، أجبر هيثكليف كاثي على الزواج منه، مما ضمن له، بعد وفاة لينتون بفترة وجيزة، السيطرة الكاملة على “ثروشكروس غرانج”، وترك كاثي أرملة معدمة، محتجزة في “وذرنغ هايتس”.

عاشت كاثي الشابة أياماً صعبة في “وذرنغ هايتس”، محبوسة ووحيدة، تحت قبضة هيثكليف القاسية. لكن روحها القوية لم تنكسر. بدأت تدريجياً في التقرب من هاريتون، الذي كان لا يزال جاهلاً، لكنه كان يظهر علامات الحب الطيبة. في البداية، كانت كاثي تسخر من جهله، لكنها لاحقاً شعرت بالشفقة عليه، وبدأت في تعليمه القراءة والكتابة، كاشفة له عالماً جديداً من المعرفة. نمت بينهما علاقة صداقة ثم حب تدريجي، حب بريء، يختلف تماماً عن الحب العاصف الذي جمع كاثرين وهيثكليف. كان حبهما يمثل الأمل في التجديد، والقدرة على تجاوز الأحقاد والآلام القديمة.

في هذه الأثناء، بدأ هيثكليف، الذي كان يرى في كاثي وهاريتون شبح كاثرين وإدغار، يفقد اهتمامه بالانتقام. أصبح مهووساً بذكرى كاثرين، يرى شبحها في كل مكان، في الوجوه، في السهول، في الجدران. كان يتضور جوعاً، ويرفض الطعام، ويهمل واجباته، غارقاً في هلوسات مستمرة بوجود كاثرين إلى جانبه. روحه كانت تنجذب بقوة إلى روحها، وكأنها تستدعوه. فقد هيثكليف رغبته في العيش، ووجد أخيراً السلام في الموت. اكتشفت “نيلي” هيثكليف ميتاً في الغرفة التي كانت تنام فيها كاثرين، وجهه يحمل تعبيراً عن الانتصار الوحشي، كأنه حقق أمنيته الدفينة في اللقاء الأبدي مع محبوبته. دُفن هيثكليف بجانب كاثرين وإدغار، محققاً بذلك وصيته الغريبة. أدت وفاته إلى كسر دائرة الكراهية والانتقام التي استمرت طويلاً.

انتهت الرواية بمشهد مفعم بالأمل: كاثي وهاريتون يتأهبان للزواج في رأس السنة، رمزاً لبداية جديدة، حياة مليئة بالحب والتفاهم، بعيداً عن الكراهية التي طبعت الأجيال السابقة. انتقلا للعيش في “ثروشكروس غرانج”، تاركين “وذرنغ هايتس” أخيراً في سلام، وكأن الأرواح المعذبة قد وجدت راحتها. يعود السيد لوكوود في نهاية المطاف لزيارة قبور كاثرين وإدغار وهيثكليف، متأملاً هدوء السهول، ليدرك أن قصة الحب الجامح والانتقام المرير قد أفسحت المجال لسلام الطبيعة، وأن الأرواح الثلاثة تستريح أخيراً تحت سهول الخلنج الهادئة، حيث الرياح وحدها تحكي قصصهم الخالدة.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *