مقدمة وعالم الرواية

يبدأ السرد المؤثر لرواية “فرانكنشتاين” على متن سفينة استكشافية متجهة نحو القطب الشمالي، حيث يرسل القبطان روبرت والتون رسائل إلى أخته يصف فيها رحلته الجريئة. في خضم هذه الرحلة، يعثر والتون وطاقمه على رجل مجهد ومنهك، يكاد يكون جثة هامدة في قلب الجليد، فينقذونه من مصير محقق. هذا الرجل ليس سوى فيكتور فرانكنشتاين، العالم الشاب الذي يحمل في أعماقه قصة مأساوية يقرر أن يرويها للقبطان والتون كتحذير مرير من مخاطر الطموح الجامح والجشع العلمي.

يكشف فيكتور عن نشأته في مدينة جنيف الهادئة بسويسرا، في كنف عائلة ثرية ومحبة. كان طفلاً موهوباً، متعلقاً بوالديه وبابنة خالته إليزابيث لافينزا، التي كانت أقرب إلى روحه من أي شخص آخر، وصديقه الوفي هنري كليفال. منذ نعومة أظفاره، كان فيكتور مفتوناً بأسرار الطبيعة والعلوم الغامضة، وميوله الفطرية دفعته لقراءة كتب الكيميائيين القدماء والفيزيائيين الذين حاولوا فك رموز الحياة والموت.

عندما بلغ السابعة عشرة من عمره، أرسل فيكتور للدراسة في جامعة إنجولشتات بألمانيا. هناك، انكب على دراسة الكيمياء وعلم التشريح بشغف هائل، وبتوجيه من أساتذته، وبمزيج من العبقرية والتصميم، أعلن أنه اكتشف سر الحياة والموت نفسه. تملكت فيكتور فكرة عظمى؛ فكرة خلق كائن حي، كائن مثالي من شأنه أن يخدم البشرية ويمنح الخلود للعنصر البشري. بدأ في جمع أجزاء من جثث الموتى من المشرحات والمقابر، وكرس نفسه لعمله الشنيع في مختبره السري، معزولاً عن العالم الخارجي.

تحول شغفه النبيل الأولي إلى هوس مدمر، حيث نسي عائلته وأصدقاءه، وتجاهل صحته، واستنزف قواه الجسدية والعقلية في مشروعه الوحشي، متجاوزاً بذلك كل الحدود الأخلاقية والإنسانية، مدفوعاً برغبة عمياء في أن يصبح خالقاً.

تصاعد الأحداث

في ليلة عاصفة ومرعبة، أضفت عليها الأجواء القاتمة لمسة من الرهبة التي تتناسب مع الحدث الجلل، أتم فيكتور فرانكنشتاين عمله أخيراً. بمجرد أن دبت الحياة في الكائن، وفتح عينيه الصفراوين للمرة الأولى، لم يكن ما رآه فيكتور هو الجمال الذي توقعه، بل وحشاً قبيحاً، مرعباً، ذا بشرة صفراء مشدودة وشفتين سوداوين. دَبَّ الرعب في قلب فيكتور، ففر من مختبره في ذعر، تاركاً الكائن الذي خلقه وحيداً ومرتعباً في عالمه الجديد، يواجه مصيره المجهول.

مرض فيكتور بشدة نتيجة الصدمة والإرهاق، واعتنى به صديقه الوفي هنري كليفال الذي جاء لزيارته في إنجولشتات. بعد تعافيه، تلقى فيكتور أخباراً مروعة تفيد بأن شقيقه الأصغر ويليام قد قُتل خنقاً. عند عودته إلى جنيف، لمح الكائن الذي خلقه في غابة بالقرب من مكان الجريمة، وأدرك في تلك اللحظة المؤلمة أن الكائن هو القاتل. الأدهى من ذلك أن خادمة العائلة البريئة، جوستين موريتز، اتهمت زوراً بالجريمة، وتم إعدامها، مما أضاف عبئاً ثقيلاً من الذنب على ضمير فيكتور.

شعر فيكتور بالذنب الفادح والعجز، فصعد إلى جبال الألب الشاهقة بحثاً عن بعض الراحة والسكينة. وهناك، في قلب الطبيعة الصامتة، واجهه الكائن. روى الكائن لفيكتور قصته المحزنة المليئة بالمرارة؛ كيف تعلم اللغة والمشاعر من خلال مراقبة عائلة دي لايسي الفقيرة التي كانت تسكن كوخاً مجاوراً لمخبئه، وكيف تمنى أن ينضم إليهم ليجد الألفة والمودة، لكن عندما كشف عن نفسه، هربوا منه في رعب بسبب مظهره الشنيع. أدرك الكائن وحدته وقبحه، وكيف نما في قلبه الحقد على خالقه الذي خلقه وتركه يعاني. اعترف الكائن بقتل ويليام، ليس بدافع الشر الخالص، بل انتقاماً من فيكتور، ولإدراكه أنه لن يجد مكاناً له في هذا العالم القاسي. طالب الكائن فيكتور بأن يخلق له رفيقة، كائناً آخر مثله ليشاركه وحدته وعزلته، ووعد بأنه سيختفيان معاً بعيداً عن البشر، إلى الأبد.

ذروة الصراع العميقة

بعد صراع داخلي مرير وشعور عميق بالمسؤولية، وافق فيكتور على طلب الكائن، مقتنعاً بأنه مدين له بفرصة السعادة. انتقل فيكتور إلى جزيرة نائية في أوركني، اسكتلندا، ليبدأ في العمل على رفيقة الكائن. خلال عمله المضني، راودته الشكوك الرهيبة وأخذت الأفكار المخيفة تتصارع في ذهنه: ماذا لو أنجبت الكائنين نسلاً من الوحوش يهدد البشرية؟ ماذا لو كرهت الرفيقة خالقها كما كرهه الكائن الأول؟ ماذا لو رفضا الابتعاد عن البشرية ودمرا العالم؟

في لحظة يأس وخوف شديد، بينما كان الكائن يراقبه من النافذة بعينين متلهفتين، اتخذ فيكتور قراره القاسي. دمر فيكتور العمل الذي كان يوشك على الانتهاء، ومزق الجسد المتكون لرفيقة الكائن إرباً، منهياً بذلك أي أمل للكائن في السعادة. غضب الكائن غضباً شديداً لا يوصف، وانفجر في سيل من التهديدات، متوعداً فيكتور بالانتقام، وقال له بكلمات لاذعة: “سأكون معك في ليلة زفافك”. أدرك فيكتور أن الكائن لن يتركه وشأنه، وأن مصيره قد ارتبط بهذا المخلوق للأبد.

بعدها بفترة قصيرة، عُثر على صديقه هنري كليفال مقتولاً خنقاً على الشاطئ. ألقي القبض على فيكتور بتهمة قتل كليفال، لكنه بُرئ بعد أن قدم دليلاً على وجوده في مكان آخر، وساعده والده في ذلك. عاد فيكتور إلى جنيف مدمراً ومريضاً، لكنه قرر الزواج من إليزابيث، اعتقاداً منه أنه قد يجد السلام معها، وأيقن أن تهديد الكائن بالوجود في ليلة زفافه يعني أنه سيقتله هو، لا إليزابيث، وبالتالي كان مستعداً للمواجهة النهائية.

النهاية بالتفصيل

تزوج فيكتور من إليزابيث في حفل بسيط، وفي ليلة زفافهما، التي كان يرجوها لحظة سلام، أرسل إليزابيث لتستريح في غرفتها بينما كان هو يحرس المنزل، متوقعاً هجوم الكائن عليه. لكن الكائن كان أخبث وأكثر دهاءً مما توقع فيكتور. تسلل إلى الغرفة وخنق إليزابيث حتى الموت، تاركاً إياها جثة هامدة في ليلة كانت من المفترض أن تكون بداية سعادتهما. شاهد فيكتور جثة إليزابيث من النافذة، وانهار تماماً، مدركاً أن تهديد الكائن كان موجهاً إلى أحبائه، وأن مصيبته فاقت كل تصور.

تحطم قلب فيكتور، ومات والده بعد فترة وجيزة حزناً على سلسلة المآسي التي حلت بعائلته. أقسم فيكتور فرانكنشتاين على الانتقام من الكائن، وكرس ما تبقى من حياته لمطاردته عبر العالم. طارده عبر أوروبا، ثم إلى سهول روسيا الجليدية القاسية، وصولاً إلى القطب الشمالي المتجمد، مستنزفاً قواه الجسدية والعقلية، إلى أن التقى بالكابتن والتون.

وهنا تنتهي قصة فيكتور المروعة، حيث يرويها للتعبير عن ندمه والتحذير من عواقب الطموح الأعمى. يتوسل فيكتور إلى والتون أن يكمل مهمته في مطاردة الكائن وتدميره. لكن فيكتور فرانكنشتاين يموت على متن سفينة والتون، منهكاً باليأس والمرارة، وتتحقق نهاية مأساوية لطموحه الأعمى الذي دمر حياته وحياة كل من حوله.

بعد وفاة فيكتور، يتسلل الكائن إلى سفينة والتون ليقف أمام جثة خالقه. يتحدث الكائن إلى والتون، معرباً عن ندمه العميق ومعاناته الشديدة التي فاقت حدود تحمل البشر. يكشف عن أنه لم يجد سوى العذاب والنبذ من البشر، وأن أفعاله الشريرة كانت نتيجة لليأس والوحدة التي فرضها عليه فيكتور والعالم. يلقي الكائن باللوم على نفسه، وعلى فيكتور الذي خلقه ثم تخلى عنه، وعلى الإنسانية لرفضها له. يقول الكائن إنه الآن لا يملك شيئاً يعيش من أجله، وأن خالقه قد مات، ومهمته الوحيدة كانت الانتقام، وقد تحققت. يوعد الكائن والتون بأنه سيختفي ويحرق نفسه في أقاصي الشمال لينهي وجوده الشنيع ويوقف دوامة الشر التي بدأت بخلقه. وهكذا، يغادر الكائن السفينة ليختفي في ظلام الليل القطبي، تاركاً خلفه قصة مأساوية عن العلم والطموح الجامح، وعن الوحدة الرهيبة، وعواقب اللعب بقوى الطبيعة والخلق.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *