مقدمة وعالم الرواية

في قلب لندن الفيكتورية، حيث يلف الضباب الأزقة، ويصطف السادة الأفاضل في نواديهم، تدور أحداث قصة غريبة تفطر القلوب وتثير العقول. بطلها المحامي المرموق، السيد غابرييل جون أترسون، رجل رصين ومتحفظ، يجلس في صمت، مفكراً في ألغاز أصدقائه. كان أترسون صديقاً قديماً للدكتور هنري جيكل، العالم الموقر والخير ذي السمعة الطيبة، وصديقاً للدكتور لانيون، الطبيب المعروف والواقعي الذي كان يختلف مع جيكل حول نظرياته العلمية ‘الهذائية’. ذات يوم، بينما كان أترسون يتمشى مع صديقه إينفيلد، توقفا أمام باب غريب في شارع جانبي، باب يثير الريبة والفضول، وحينها روى إينفيلد لأترسون قصة مزعجة عن رجل قبيح المنظر وشرير، يُدعى السيد إدوارد هايد، الذي دهس طفلة بريئة بدم بارد وساوم على تعويضها، ليخرج بعد ذلك شيكاً بتوقيع الدكتور جيكل. هذه الحادثة أيقظت في أترسون قلقاً عميقاً، خاصة عندما تذكر وصية الدكتور جيكل الغريبة التي تنص على أن جميع ممتلكاته يجب أن تؤول إلى السيد هايد في حال اختفائه أو وفاته. بدأت الشكوك تتراكم في ذهن المحامي، وأصبح السيد هايد كابوساً يطارد لياليه، يدفع أترسون للتحقيق في هوية هذا الرجل الغامض الذي لا يحمل أي ميزة جذابة سوى إثارة الشعور بالاشمئزاز.

تصاعد الأحداث

لم يلبث أن زادت شكوك أترسون عندما راح يتعقب هايد، فيصادفه عند ذلك الباب الغريب، ليكتشف أن هايد يحمل مفتاحاً للمنزل الذي يقود إلى معمل الدكتور جيكل. يزداد قلق أترسون على صديقه جيكل، ويحاول أن يفهم طبيعة العلاقة بينهما. يذهب لزيارة جيكل ويحاول استدراجه للحديث عن هايد، لكن جيكل يؤكد له أنه يستطيع التخلص من هايد وقتما يشاء، ويطمئنه بأن الأمور تحت السيطرة. ومع ذلك، لا يبدو جيكل مرتاحاً، وتظهر عليه علامات الإرهاق والقلق. بعد مرور عام، هزت لندن جريمة بشعة. قُتل السير دانفرز كرو، عضو البرلمان، بوحشية على يد رجل، شهدت عليه خادمة أقسمت أن القاتل هو السيد هايد. عُثر على جزء من العصا التي استخدمت في الجريمة، والتي كانت هدية من أترسون للدكتور جيكل. يشعر أترسون بالرعب عندما يكتشف أن النصف الآخر من العصا موجود في منزل جيكل. يستجوب أترسون جيكل الذي يؤكد أنه قطع كل علاقاته بهايد، ويقدم له رسالة ادعى أنها من هايد يودعه فيها. لكن أترسون يكتشف لاحقاً أن خط يد الرسالة يشبه خط يد جيكل نفسه. بعدها، يعاود جيكل الظهور في المجتمع لفترة قصيرة، يبدو سعيداً ومرتاحاً، وكأن غيمة هايد قد انقشعت. لكن هذا الصفاء لم يدم طويلاً. فجأة، يختفي جيكل مرة أخرى، ويرفض مقابلة أي شخص، حتى أترسون. يشعر أترسون بالقلق على صديقه، فيذهب لزيارة الدكتور لانيون الذي يبدو عليه المرض الشديد والهزال. يخبر لانيون أترسون بأنه مر بتجربة مروعة أدت إلى تدهور صحته، ويلمح إلى أن الأمر يتعلق بجيكل. يرفض لانيون التحدث عن الأمر أكثر، ويموت بعدها بأيام قليلة، تاركاً لأترسون رسالة مختومة، يأمر بفتحها بعد وفاة جيكل أو اختفائه. يترك هذا اللغز أترسون في حيرة ويأس، وتزداد مخاوفه من أن يكون هايد قد عاد للظهور.

ذروة الصراع العميقة

مع اختفاء جيكل التام وانعزاله في معمله، يزداد قلق الخادم بول (Poole)، الذي يلاحظ تصرفات غريبة صادرة من غرفة سيده. يسمع بول أصواتاً غريبة داخل الغرفة، ويشعر أن جيكل نفسه قد تغير، فهو لا يخرج أبداً، وكل ما يطلبه هو مواد كيميائية نادرة. يخشى بول أن يكون سيده قد تعرض لجريمة قتل وأن شخصاً آخر مختبئ داخل الغرفة. يتوجه بول إلى أترسون، ويطلبا منه المجيء ليلاً. يقود بول أترسون ومعه حارس إلى باب معمل جيكل المغلق. يصر بول على أن الشخص الموجود داخل الغرفة ليس الدكتور جيكل، بل مخلوق آخر يراه من حين لآخر يتسلل ليلاً في ثياب سيده. يسمع الرجلان صوت أنين وصرير غريب من وراء الباب، ثم صوت رجل يطلب جرعة جديدة من دواء معين. يأخذ أترسون زمام المبادرة، يأمر بتحطيم الباب. وبعد جهد جهيد، يقتحمان الغرفة، ليجدا مشهداً مروعاً: جثة هامدة ترتدي ملابس جيكل، ملقاة على الأرض، وهي جثة السيد هايد. يتفحصون الغرفة، فلا يجدون أثراً للدكتور جيكل. على الطاولة، يجد أترسون وصية جديدة لجيكل، مكتوبة بتاريخ حديث، تنص على أن كل ممتلكاته تذهب إلى أترسون، وليس إلى هايد. كما يجد رسالتين، إحداهما من الدكتور لانيون، التي طلب فتحها بعد وفاة جيكل، والأخرى رسالة طويلة بخط يد الدكتور جيكل نفسه، تحمل اعترافاته وتفسيراً لكل ما حدث. هنا تتكشف حقيقة الصراع المرير.

النهاية بالتفصيل

يقرأ أترسون رسالة لانيون أولاً، التي تشرح تفاصيل تلك الليلة المروعة التي دُعي فيها إلى منزل جيكل بناءً على طلب عاجل منه، ليجد السيد هايد هو الذي ينتظره. يطلب هايد من لانيون أن يجلب له بعض المواد الكيميائية من معمل جيكل. وبعد أن يحضر لانيون المواد، يقوم هايد بمزجها أمامه، ثم يشربها، ليتحول هايد تدريجياً وبشكل مرعب إلى الدكتور جيكل أمام عيني لانيون المذهولتين. هذه الرؤية الصادمة هي التي أدت إلى تدهور صحة لانيون وموته لاحقاً. بعد ذلك، يفتح أترسون رسالة جيكل، وهي الرسالة الأطول والأكثر تفصيلاً، والتي تكشف الحقيقة الكاملة وراء هذه القضية الغريبة. يقر جيكل في رسالته بأنه كان دائماً يؤمن بوجود جانبين متناقضين في طبيعة الإنسان: جانب الخير وجانب الشر. كان يشعر بالصراع الداخلي بين رغبته في السمعة الحسنة والفضيلة، وبين ميوله السرية نحو الملذات المذمومة التي يخشى أن تلوث صورته. بدأ جيكل يجري تجاربه في محاولة فصل هذين الجانبين، ظناً منه أنه إذا استطاع فصل الشر عن الخير، فإنه سيكون حراً في الاستمتاع بملذات الحياة دون أن يعرض سمعته للخطر، وفي الوقت نفسه سيتمكن من العيش كشخص صالح في النور. نجح جيكل في تركيب جرعة كيميائية أدت إلى فصل كيانه البشري إلى كيانين منفصلين. وعندما شرب هذه الجرعة لأول مرة، تحول إلى إدوارد هايد: شخصية قبيحة، شريرة، لا تعرف الرحمة، وتمثل كل ما هو سيء وفاسد في روح جيكل. كانت هذه التجربة في البداية ممتعة لجيكل، فقد شعر بالحرية المطلقة في التعبير عن رغباته المكبوتة من خلال هايد دون أن يتحمل عواقبها باسمه الحقيقي. كان يستطيع ارتكاب أبشع الأفعال في جسد هايد، ثم يعود إلى جسد جيكل الموقر والبريء. لكن شيئاً فشيئاً، بدأت الأمور تخرج عن السيطرة. أصبحت تحولات جيكل إلى هايد أكثر سهولة وتكراراً، وأقل حاجة إلى الجرعة. بدأ هايد يسيطر على عقل جيكل، وأصبح جسد هايد أصغر وأكثر رشاقة، بينما جسد جيكل أصبح أضعف وأكثر مرضاً. زادت شرور هايد، وبلغت ذروتها في جريمة قتل السير دانفرز كرو. في النهاية، وصل جيكل إلى نقطة اللاعودة. فقد أصبح التحول إلى هايد يحدث بشكل لا إرادي، حتى أثناء نومه، وبدأ يكافح بصعوبة للعودة إلى جسده الأصلي. نفدت المواد الكيميائية التي يحتاجها لإعداد الترياق، وأدرك أن هايد قد سيطر عليه تماماً. لم يعد هناك مفر. كان هايد يخرج بلا سيطرة، ويصبح أقوى وأكثر وحشية، بينما جسد جيكل يتلاشى ويضعف. في لحظة يأس مطلقة، أدرك الدكتور جيكل أن الحل الوحيد لوقف هذا الرعب هو القضاء على هايد، وهذا يعني القضاء على نفسه. وهكذا، تنتهي رسالة جيكل، ويفهم أترسون أن جثة هايد التي وجدها في المعمل هي جثة جيكل نفسه، بعد أن تحول للمرة الأخيرة إلى هايد، وأن الدكتور جيكل قد اختار الموت لإنهاء كابوس وجود هايد.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *