مقدمة وعالم الرواية: شبح الماضي في قصر ماندرلي
تبدأ القصة في أجواء غامضة بلقاء بطلتنا الشابة، والتي تظل بلا اسم طوال الرواية، بالسيد ماكسيم دي وينتر الأرمل الثري غريب الأطوار، وذلك خلال عملها كرفيقة لسيدة أمريكية ثرية في منتجع مونت كارلو الساحر. تنجذب بطلتنا، الفتاة الخجولة والبسيطة، إلى جاذبية ماكسيم وسحره الغامض، على الرغم من فارق العمر والطبقة الاجتماعية الهائل بينهما. بعد فترة قصيرة من التعارف، التي بدت وكأنها حلم وردي، يتقدم ماكسيم لخطبتها بشكل مفاجئ، لتجد نفسها على أعتاب حياة جديدة لم تحلم بها قط، سيدة لقصر ماندرلي العظيم في ريف إنجلترا، ذلك القصر الذي تحيط به الأساطير والذكريات، وتحكمه ذكرى السيدة الأولى، ريبيكا.
بمجرد وصولها إلى ماندرلي، يتبدد وهج شهر العسل الرومانسي، ويحل محله شعور طاغٍ بالوحدة والعزلة. ماندرلي ليس مجرد منزل؛ إنه كيان حي يتنفس بذكرى ريبيكا، التي تبدو وكأنها لم تغادره قط. تتسلل إلى القصر رائحة زهور الأزاليا التي كانت تعشقها ريبيكا، وصورها التي تملأ الأروقة، والخدم الذين لا يفتأون يتحدثون عن كمالها وجمالها وجاذبيتها الفاتنة. أما مدبرة المنزل، السيدة دانفرز، فتظهر كشخصية مخيفة وشريرة، ولاؤها الأعمى لريبيكا يبلغ حد الهوس، وتتخذ من السيدة الجديدة هدفاً لحقدها وتلاعبها، محاولة بشتى الطرق تذكيرها بأنها مجرد بديل باهت، ظل شاحب، لا يمكن أن يملأ الفراغ الذي تركته ريبيكا الساحرة.
تصاعد الأحداث: صراع الهوية تحت ظل ريبيكا
تجد البطلة نفسها عالقة في دوامة من الشك بالنفس وعدم الأمان. كل محاولاتها لإضفاء بصمتها الخاصة على ماندرلي تبوء بالفشل، فملابسها، وأذواقها، وحتى ترتيبات الأزهار، كلها تُقارن بتلك التي كانت تفضلها ريبيكا، وتُعتبر أقل شأناً. تبقى غرفة نوم ريبيكا وغرفة ملابسها محتفظة بكل شيء كما تركته، وكأنها تنتظر عودتها في أي لحظة، لتصبح ضريحاً مقدساً يحرم على البطلة الاقتراب منه إلا بإذن السيدة دانفرز، التي تتلذذ بتعذيب السيدة الجديدة نفسياً، وتهمس لها باستمرار بأنها لن تكون أبداً بمستوى ريبيكا.
تزداد عزلة البطلة، فماكسيم، الذي بدا سابقاً فارس أحلامها، ينغلق على نفسه، ويظهر عليه اضطراب نفسي عميق يتأرجح بين الغضب الصامت والحنان النادر، مما يزيد من حيرتها وشكوكها. تتعرف البطلة على شخصيات أخرى، مثل فرانك كرولي المدير اللطيف للعقار، وأخت ماكسيم بياتريس وزوجها جايلز، وكل منهم يذكر ريبيكا بإعجاب ممزوج بنوع من الرهبة، مما يعزز الصورة المثالية التي رسمتها السيدة دانفرز لريبيكا في ذهن البطلة. يصل الصراع ذروته عندما تقترح البطلة إقامة حفلة تنكرية كبيرة، على أمل أن تتمكن من كسر حاجز الوحدة وتفرض وجودها. لكن السيدة دانفرز تستغل براءتها لتوقعها في فخ مرير، فتنصحها بارتداء فستان أبيض يعتمد على لوحة فنية قديمة. تكتشف البطلة لاحقاً، في ليلة الحفل الموعودة، أنها أعادت إحياء ظهور ريبيكا الأخير في حفل مماثل، لتتلقى صدمة عنيفة من ماكسيم الغاضب، مما يدفعها إلى حافة الانهيار النفسي، وتشتعل في نفسها فكرة الانتحار، التي تحاول السيدة دانفرز تشجيعها عليها بأسلوب خبيث.
ذروة الصراع العميقة: السر المدفون ينكشف
وسط هذه الأجواء المشحونة باليأس والتوتر، يحدث ما يقلب الأمور رأساً على عقب. يتم اكتشاف حطام قارب غارق وجثة آدمية في خليج ماندرلي. الكشف يلقي بظلاله على ماكسيم، حيث يتضح أن الجثة هي جثة ريبيكا، التي افترض الجميع سابقاً أنها غرقت في حادث. تتجدد التحقيقات، ويصبح ماكسيم في مرمى الشبهات. في هذه اللحظة الحرجة، ينهار ماكسيم ويعترف للبطلة بالحقيقة المروعة التي طالما أخفاها: لم يحب ريبيكا قط، بل كان يكرهها بشدة. يكشف لها عن الوجه الحقيقي لزوجته الأولى؛ امرأة شريرة، فاسدة الأخلاق، متلاعبة، تسعى لتدمير كل من حولها، كانت تخونه باستمرار وتتفاخر بذلك، وتستخدم سحرها وجاذبيتها كقناع لإخفاء روحها المريضة.
يصرح ماكسيم بأنه هو من قتل ريبيكا في كوخ الزوارق، بعد أن واجهها بماضيها المشين وتصرفاتها الدنيئة. في لحظة غضب وتحدٍ، ضربها ماكسيم بخطاف قارب، ثم نقل جسدها إلى قاربها الصغير وأغرقه، متظاهراً بأنها توفيت في حادث بحري. تعترف البطلة بدورها لماكسيم بحبها له، وتجد في هذا الاعتراف الصادم راحة عميقة؛ لأنها أدركت أن ماكسيم لم يكن يحب ريبيكا أبداً، بل كان أسيراً لماضي مؤلم. يتحول شعورها بالخوف والقلق إلى تصميم على الدفاع عن زوجها بكل قوتها. تتدخل الشرطة، ويقود التحقيق الكولونيل جوليان، وتزداد تعقيدات القضية بظهور جاك فافيل، قريب ريبيكا وعشيقها السابق، الذي يحاول ابتزاز ماكسيم بادعاءات كاذبة حول حب ريبيكا له.
النهاية بالتفصيل: رماد ماندرلي وبزوغ فجر جديد
تُجرى جلسة تحقيق رسمية لكشف ملابسات وفاة ريبيكا. يقدم جاك فافيل شهادته المضللة، مدعياً أن ريبيكا كانت حاملاً من ماكسيم وأنها كانت في طريقها للقائه. يستدعى الطبيب بيكر، الذي كان يعالج ريبيكا سراً في لندن. وهنا تتفجر المفاجأة الكبرى التي تغير مسار القضية: الطبيب يكشف أن ريبيكا كانت مصابة بسرطان متقدم لا شفاء منه، وأنها لم تكن حاملاً على الإطلاق. تدرك البطلة وماكسيم المعنى الحقيقي لذلك؛ لقد تحدت ريبيكا ماكسيم عمداً لقتلها، أو ربما انتحرت بطريقة توحي بأنه قتلها، لتتجنب الموت البطيء والمؤلم الذي كان ينتظرها بسبب مرضها العضال، ولتحمل معها سر حياتها البائسة، ولتوجه ضربتها الأخيرة لماكسيم الذي كانت تكرهه. تتكشف الحقيقة الدامية، ويبرأ ماكسيم من تهمة القتل.
بعد تبرئة ماكسيم، يتنفس الزوجان الصعداء ويقرران العودة إلى ماندرلي ليبدآ حياتهما من جديد، متحررين من شبح ريبيكا. لكن القدر يخبئ لهما صدمة أخرى. عندما يقتربان من القصر في جنح الظلام، يجدان ماندرلي العظيم وقد التهمته النيران، ويتحول إلى جحيم مستعر. يكتشفان أن السيدة دانفرز، المجنونة بحبها لريبيكا، هي من أشعلت النيران، راغبة في أن يموت ماندرلي مع سيدة المنزل التي كانت تعبدها. يشاهد الزوجان قصرهما وهو يحترق ويتحول إلى رماد، رمزاً لكل ما كان يربطهما بالماضي البغيض وذكرى ريبيكا المتسلطة. ترمز النيران إلى تطهير وتدمير كل شيء، لتفسح المجال لبداية جديدة لهما، بداية بلا ماندرلي، بلا ظلال الماضي، لكن بحب ناضج وقوي يجمعهما، رغم الألم والفقدان. ينتهي بهما المطاف لاجئين يتنقلان من فندق إلى آخر، متحررين من قيود مجتمع ماندرلي وأسرته، لكنهما يجدان السعادة في اتحادهما، ليبدأا فصلاً جديداً من حياتهما معاً، متحدين، أقوى من أي وقت مضى.

