مقدمة وعالم الرواية

في غياهب محكمة التفتيش بمدينة طليطلة، وعلى أعتاب الموت، يُلقى بطلنا، الراوي المجهول، في براثن الجحيم الأرضي. تبدأ الرواية بلحظة الحكم المروعة، حيث تتلاشى حواسه شيئًا فشيئًا، وتتداخل أصوات القضاة الرهيبة والوعظ الجنائزي، ويغرق في ظلام دامس إثر إغماءة ألمت به. عندما يستيقظ، يجد نفسه في ظلمة مطلقة، برودة القبر تحيط به، وصمت مطبق يكاد يصم الأذنين. يساوره شك مرعب بأنهم قد دفنوه حيًا. يجد نفسه ملقى على أرضية حجرية، ولا يملك سوى أنفاسه التي تزداد سرعةً مع كل نبضة قلب. يحاول تجميع شتات ذاكرته، لكن كل ما يتذكره هو ذلك الشعور الغامر باليأس والرهبة من مصير مجهول.

يبدأ البطل في التحسس ببطء وحذر، خطوة بخطوة، مستكشفًا أبعاد سجنه الرهيب. تمتد يداه أمامه، يخشى أن يصطدم بحائط أو يهوي في هاوية. الأرضية كانت زلقة، وفي كل لحظة كان يخشى أن تكون هذه آخر خطواته. بعد مسيرة طويلة ومتعبة، يقدرها البطل بحوالي خمسين ياردة، يفقد توازنه ويكاد يسقط. يدرك، بفزع لا يوصف، أنه كان يسير على حافة حفرة عميقة، حفرة مظلمة لا يعلم مدى عمقها أو ما تخفيه في جوفها. تتجمد الدماء في عروقه وهو يتخيل النهاية المروعة التي كادت تبتلعه. يبتعد عن الحافة، منهكًا، ليجد رغيف خبز ووعاء ماء إلى جانبه، دلالة على أن الموت لم يكن مصيره الفوري، بل ربما عذاب أشد وأبطأ. يأكل ويشرب، ثم يغرق في نوم عميق، ليرتاح جسده المرهق وعقله المثقل بالرعب.

تصاعد الأحداث

يصحو الراوي مجددًا، وهذه المرة، تداعبه بصيص من ضوء شاحب، ضوء شبحي بالكاد يضيء مساحة الزنزانة. يكتشف حينها أن أبعاد سجنه لم تكن كما خمن في الظلام الدامس؛ فالحيطان التي ظن أنها بعيدة جدًا، كانت في الحقيقة أقرب بكثير، مشكّلةً مساحة أصغر وأكثر ضيقًا مما تخيل، لكنها لم تكن أقل رعبًا. يتأمل الجدران المحيطة به، فيجدها مزينة بلوحات جدارية بشعة، رسومات قذرة تمثل هياكل عظمية وشخصيات شيطانية وأدوات تعذيب، تزيد من الكابوس الذي يعيشه. يدرك أنهم لم يرموه للموت بالصدفة، بل هو ضحية لمخيلة سادية تبدع في فن التعذيب. سرعان ما يتضح له الشكل الجديد لعذابه؛ فقد تم تقييده بإحكام على لوح خشبي منخفض، لا يستطيع الحراك إلا قليلًا، وعيناه مثبتتان على سقف الزنزانة العالي.

وهناك، في منتصف السقف، يرى الرهبة تتجسد: رقاص هائل، على شكل منجل ضخم، يتدلى من سلسلة سميكة، يتأرجح ببطء ورتابة. يراقب الشفرة اللامعة، التي تبدو وكأنها مصقولة بحدة، وهي تزداد قربًا مع كل تأرجح. يلاحظ أن الرقاص ينخفض قليلًا في كل مرة، مقتربًا شيئًا فشيئًا من جسده، مهددًا بتقطيعه. يبدأ الرقاص ببطء، وكأنه يتعمد إطالة الأمد، يضيف إلى العذاب النفسي الذي لا يقل عن العذاب الجسدي. يمر الوقت وهو يشاهد المنجل يتأرجح، ويحسب الدقائق والساعات، مع كل تأرجح يزداد حدة الشعور باليأس والانتظار المحموم للموت. إنها طريقة تعذيب متقنة، تعتمد على الترويع البطيء، على انتظار النهاية المحتومة، على معرفة الموت وهو يقترب خطوة بخطوة. يشعر بوجود جلاديه، فهم بالتأكيد يراقبونه، يستمتعون برعبه، دون أن يكشفوا عن أنفسهم.

ذروة الصراع العميقة

يقترب الرقاص أكثر فأكثر، لدرجة أن البطل يبدأ يشعر ببرد الهواء الذي يخلقه تأرجحه، ويشم رائحة المعدن الزيتي لشفرته الحادة. الموت قاب قوسين أو أدنى، والشفرة تلوح فوق قلبه، مهددة بإنهاء حياته بضربة واحدة. في هذه اللحظة اليائسة، يتوهج في ذهنه بصيص أمل. يتذكر أنهم قد أعطوه بعض اللحم قبل أن يفيق من غيبوبته، لحم لم يكن ليأكله الجوعى من البشر. يدرك أنه يستطيع استخدام هذا اللحم لإغراء الجرذان التي رآها تتجول في أرجاء الزنزانة. ببطء شديد وبحركة محسوبة، يدهن قطع اللحم على الأربطة التي تقيده إلى اللوح الخشبي. ينتظر، وقلبه يخفق بعنف، ويراقب الرقاص وهو يقترب أكثر فأكثر. بعد وقت قصير، يتدفق سرب من الجرذان الجائعة، تجذبها رائحة اللحم.

تتسلق الجرذان جسده، تتدافع وتزحف في مشهد مقزز، ورائحتها النتنة تملأ أنفه. تبدأ في قضم الأربطة بشراهة، أصوات أسنانها تحفر في الخشب وتنهش الأقمشة. إنه سباق محموم ضد الزمن: الرقاص ينزل بسرعة مخيفة، والجرذان تلتهم الأربطة ببطء شديد. الألم والاشمئزاز يتضاعفان، لكن إرادة الحياة أقوى. مع كل حركة للرقاص، يتأرجح الأمل واليأس في صدره. أخيرًا، وبعد جهد جهيد، تنجح الجرذان في قطع آخر رباط. يتحرر البطل من قيوده في اللحظة الأخيرة، تمامًا عندما كانت الشفرة على وشك أن تخترق جسده. ينهض بصرخة مكتومة، يدفع الجرذان عنه، ويتحرر من قبضة الموت المحدق، لكنه لا يجد سوى لحظة راحة قصيرة قبل أن يواجه رعبًا جديدًا.

النهاية بالتفصيل

بمجرد أن تحرر البطل من قيود الرقاص، يكتشف أن عذابًا جديدًا كان بانتظاره. تبدأ جدران الزنزانة في التوهج بلون أحمر قاني، وتنبعث منها حرارة شديدة، وكأنها أفران. يرتعب وهو يرى الرسومات الشيطانية على الجدران تتحرك وتزداد وحشية مع كل وميض. ليس هذا فحسب، بل إن الجدران نفسها بدأت تتقلص ببطء، تتقدم نحو المركز، نحو الحفرة المظلمة التي نجا منها سابقًا. يجد نفسه محاصرًا بين الجدران الملتهبة التي تدفعه بلا رحمة نحو الهاوية المفتوحة. الرائحة الكريهة للدماء المحترقة والجسد البشري تفوح في الهواء، وتتسرب الخناق من حوله.

الهروب مستحيل؛ فكلما حاول العثور على متنفس، دفعته الجدران أكثر نحو الحفرة. يبدأ العرق يتصبب منه، ليس فقط من الحرارة المرتفعة، بل من الرعب المطلق من السقوط في المجهول. تتضاءل المساحة حوله حتى يجد نفسه على شفا الهاوية، الجدران الحارة تضغط عليه من كل اتجاه، لم يعد أمامه مفر. يرى الجرذان نفسها تهرب إلى الحفرة، كأنها تعرف المصير المحتوم. يدرك أنهم لم يريدوا له الموت بالرقاص، بل أن يسقط في الحفرة، ليموت ببطء ووحشية. وفي اللحظة الأخيرة، عندما كان على وشك السقوط في أعماق الجحيم، يسمع فجأة أصوات أبواق، ثم صدى صيحات بشرية، وتتراجع الجدران الساخنة بسرعة جنونية، وكأنها تبتلعها الأرض. تمتد يد قوية لتنتشله من على حافة الموت المحقق. لقد كان الجنرال لاسال، قائد الجيش الفرنسي، الذي اقتحم طليطلة وأسقط محكمة التفتيش الظالمة. يجد البطل نفسه حرًا، وقد نجا بأعجوبة من أقصى درجات الرعب، لكن التجربة تركته محطمًا، يحمل ندوبها العميقة في روحه إلى الأبد.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *