مقدمة وعالم الرواية

في قلب مقاطعة إسيكس، ماساتشوستس، تتوارى قرية دَنويتش، تلك البقعة النائية التي لا تتصل بالعالم إلا بدروب متعرجة وحكايات يلفها الغموض. دَنويتش ليست مجرد قرية؛ إنها مكان يلفه السحر القديم، حيث تتنفس الأرض أسراراً من عوالم أخرى، وحيث تتراقص الأشباح بين التلال العارية. إنها أرض يعيش سكانها حياة منعزلة، تتسم بالجهل والخرافات، ويشعر الغرباء فيها بوطأة شيء غريب وغير مرئي. في هذه الأجواء المشبعة بالتوتر والرعب الخفي، عاشت عائلة وَاتلي، العائلة الأكثر غرابة وسمعة سيئة في دَنويتش. كان الجد العجوز، نوح واتلي الأب، ساحراً قديماً يُشاع عنه أنه يمتلك معرفة بالعوالم المحظورة ويتعامل مع كيانات تتجاوز فهم البشر. ابنته لافينيا، فتاة ألبينو لا تتمتع بجمال يُذكر، عاشت حياةً كئيبة تحت ظل والدها وسُمعته المخيفة.

في عام 1913، شهدت دَنويتش حدثاً غريباً ومروعاً: ولادة توأمين للآنسة لافينيا، التي لم تتزوج قط. أحدهما كان طفلاً مشوهاً بشكل بشع، أُطلق عليه اسم ويلبر، بينما ظل التوأم الآخر مجهولاً ومخفياً عن الأنظار. نشأ ويلبر واتلي سريعاً على نحو غير طبيعي، مُظهراً علامات بلوغ في سن مبكرة جداً. ففي سبعة أشهر، كان يزحف؛ وفي أحد عشر شهراً، كان يتحدث؛ وبحلول عيد ميلاده العاشر، كان يبدو وكأنه في السابعة عشرة من عمره. لكن مظهره كان يثير القلق: جسده طويل ونحيل بشكل مفرط، ووجهه الخشن أشبه بوجه حصان، بينما كانت ساقاه الخلفيتان مغطاتان بالشعر، تشبهان أرجل الماعز. كان يمتلك قوة جسدية هائلة، وعلامة ميلاد فريدة تشبه عيناً ثالثة على جبهته. أما شقيقه التوأم، فكان وجوده سرّاً غامضاً، تُشير إليه أصوات غريبة تأتي من داخل منزل واتلي المتداعي، وهو يكبر أيضاً بسرعة مرعبة، متغذياً على أشياء غير معروفة.

تصاعد الأحداث

مع مرور السنين، أصبح ويلبر الشاب المنبوذ في دَنويتش، يُرهب السكان بحديثه الغامض وتصرفاته المريبة. كان جده يعلمه التعاويذ القديمة واللغات السحرية، ويورثه شغفه بالكتب الملعونة، لا سيما كتاب «النيكرونوميكون» الذي يمتلك واتلي الأب نسخة ناقصة منه. كان ويلبر يقضي معظم وقته في دراسة هذه المجلدات المحرمة، محاولاً فك رموزها واستحضار الكيانات التي تتحدث عنها. كان المنزل القديم لعائلة واتلي يتحول تدريجياً إلى وكر للشر، حيث بدأت المواشي تختفي بشكل غامض، وتظهر علامات تشوه على الأراضي الزراعية المحيطة، وتنتشر رائحة كريهة لا يمكن وصفها، وكأن كائناً ضخماً ينمو بداخله. كانت لافينيا، الأم البائسة، تشعر بالرعب من أبنائها ومن السر الذي تخفيه عن العالم، لكنها كانت عاجزة عن فعل أي شيء. تتصاعد وتيرة الرعب عندما يموت الجد العجوز واتلي في ظروف غامضة، ثم تختفي لافينيا نفسها في ظروف أكثر غموضاً بعد بضع سنوات، تاركة ويلبر وحيداً مع كيان أخيه التوأم الذي ينمو باستمرار.

بعد وفاة جده، أصبح ويلبر أكثر جرأة في مساعيه للحصول على المعرفة المفقودة. كان يعلم أن نسخة كاملة من «النيكرونوميكون» محفوظة في مكتبة جامعة ميسكاتونيك الأسطورية في أرْكْهام. تبدأ رحلات ويلبر المتكررة إلى الجامعة، حيث يحاول إقناع أمناء المكتبة بالسماح له بالاطلاع على النسخة الأصلية من الكتاب، لكنهم يرفضون طلبه بسبب سمعته السيئة ومظهره المخيف الذي يثير الريبة. كان يائساً، فالمخلوق الذي يشاركه المنزل ينمو بشكل متسارع، ويحتاج إلى مساحة أكبر وطعام أكثر، ويطلق أصواتاً وحشية تهدد بكشف سره المخيف. تزداد الشكوك حوله عندما تبدأ المزارع المجاورة تتعرض لهجمات غريبة، حيث تُقتل الأبقار ويُدمّر السياج بقوة لا يمتلكها أي حيوان عادي. كان كلب الحراسة، عندما يرى ويلبر، ينفجر في نوبة من الهياج المرعب، مما يدل على طبيعة ويلبر غير البشرية التي لا يمكن للحيوانات أن تتحملها.

ذروة الصراع العميقة

في ليلة مظلمة وعاصفة من عام 1928، يتسلل ويلبر واتلي إلى مكتبة جامعة ميسكاتونيك، عازماً على سرقة «النيكرونوميكون». لكن خطته تفشل بشكل كارثي. بينما كان يتصارع مع الأبواب المغلقة، تنبه كلاب الحراسة في الجامعة لوجوده. تهاجمه الكلاب بعنف غير مبرر، وبدلاً من أن تُصيبه بجروح سطحية، تمزقه إرباً. يصل أمين المكتبة والطبيب المكلف بالحراسة ليجدا مشهداً مرعباً: جثة ويلبر واتلي الممزقة لا تشبه جسد إنسان عادي. يُكشف عن حقيقته المروعة: الجزء العلوي من جسده كان يشبه البشر، لكن خصره السفلي كان يتكون من أرجل مشعرة أشبه بأرجل الماعز، وجسمه مغطى بكائنات صغيرة تشبه العيون والأفواه التي تنغلق وتتفتح بشكل بشع، ويسيل منه سائل أخضر لزج. كان دمه غريباً، ولون عظامه أبيض أرجواني. مات ويلبر واتلي، لكن رعب دَنويتش لم ينتهِ بعد، بل بدأ للتو في الظهور بشكل واضح.

بعد موت ويلبر، يبدأ الكيان الآخر في منزل واتلي، أخوه التوأم الخفي، بالنمو بشكل خارج عن السيطرة. تُسمع أصواتٌ مروعة تأتي من المنزل المهجور، ويهتز المكان بأكمله. في البداية، كانت مخلوقاً غير مرئي تقريباً، لكنه أصبح يدمر المزارع والمنازل المحيطة، محطماً الأشجار ومفتتّاً الأبنية، تاركاً وراءه آثاراً لعظام بشرية وحيوانية ممتصّة ومُفَرّغة. يزداد حجم المخلوق وسيطرته على دَنويتش، ويصبح مرئياً بشكل جزئي في بعض الأحيان، كسحابة ضبابية ضخمة تلتهم كل شيء في طريقها. ينتشر الذعر في دَنويتش. يدرك السكان أنهم يواجهون قوة لا يمكن للبشر أن يفهموها أو يقاتلوها. هنا، يتدخل العقلاء: البروفيسور هنري أرْمِتِج، رئيس مكتبة جامعة ميسكاتونيك، والدكتور وارن رايس، أستاذ اللغات القديمة، والدكتور فرانسيس مورغان، أستاذ الأنثروبولوجيا. بعد دراستهم لمذكرات الجد واتلي التي عثر عليها أرْمِتِج في حطام منزل واتلي، يتوصلون إلى الحقيقة المروعة: ويلبر وأخوه هما نسل لافينيا وكيان كوني خارق للطبيعة يُعرف باسم ‘يوغ-سوثوث’ (Yog-Sothoth)، وهو كيان قديم لا يمكن فهمه، ويحاول الأخ التوأم الآن عبور البعد، مهدداً بافتراس الكوكب بأكمله.

النهاية بالتفصيل

يستعد الأساتذة الثلاثة لمواجهة الكائن الخارق في دَنويتش. يجمعون الكتب والتعاويذ القديمة التي قد تساعدهم في إيقاف هذا الرعب الكوني. بينما يزداد حجم المخلوق وقوته، ويصبح مرئياً بشكل كامل كجبل من اللحم اللزج متعدد الأعين والأفواه، وتفوح منه رائحة نتنة، ويطلق صيحات مدوية تزلزل الأرض، يتجه الأساتذة إلى تلة سنتينيل، أعلى نقطة في دَنويتش، حيث يخططون لاستدراجه. لقد أصبح الكيان المخيف هدفاً واضحاً الآن، وهو يتقدم ببطء وثبات نحو المدينة، مدمراً كل شيء في طريقه. يحمل الأساتذة ثلاثية أثرية يُعتقد أنها يمكن أن تساعد في احتواء الكيانات الكونية، بالإضافة إلى مواد كيميائية ولفائف سحرية.

تبدأ المعركة الأخيرة على تلة سنتينيل. يتجمع الأساتذة الثلاثة وهم يرددون تعاويذ قديمة بلغات منسية، ويستخدمون مسحوقاً خاصاً ورشاشات غاز. يتفاعل الكائن مع التعاويذ والأبخرة بطريقة عنيفة، يصرخ ويئن، ثم يبدأ في التقلص والذوبان ببطء. كان المشهد مروعاً للغاية، إذ تحول الجبل المتضخم من اللحم البشع إلى كتلة تتضاءل وتتبعثر في الهواء، مُطلِقةً صرخات استغاثة غير مفهومة تُشبه أصوات الرياح العاتية وصيحات الكيانات الفضائية. ببطء، يتلاشى المخلوق تماماً، تاركاً وراءه رائحة كريهة وحطاماً، وبعض الأدلة التي تُشير إلى أن كياناً غير مرئي قد مر من هنا. يشعر الأساتذة بالإنهاك والخوف الشديد، لكنهم نجحوا في صد الكيان وعيده إلى البعد الذي جاء منه، على الأقل مؤقتاً. يعلمون أن هذا الشر الكوني لم يُدمّر بالكامل، بل تم إعادته إلى مكانه. تبقى دَنويتش مجرد قرية، لكنها ستظل دائماً تحمل ندوب الرعب، متذكرة الليلة التي كادت فيها كيانات من وراء النجوم أن تلتهم عالم البشر. وتظل حقيقة ويلبر وأخيه سراً مرعباً لا يجرؤ أحد على كشفه بالكامل، مع ترك الباب مفتوحاً لإمكانية عودة مثل هذه الكيانات الكونية إلى عالمنا مرة أخرى.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *