مقدمة وعالم الرواية

تُطِلُّ رواية ناثانيال هوثورن “منزل الأسطح السبعة” من أعماق التاريخ، لتكشف عن قصةٍ متشابكةٍ من الذنوب الموروثة، والانتقام القديم، وعبء الماضي الذي يثقل كاهل الحاضر. تبدأ الحكاية قبل قرونٍ خلت، في بلدةٍ إنجليزيةٍ نيو إنجلندية، حينما كان الكولونيل بنشيون الطموح، رجلُ الأعمال الشرس والمُستغل، يُسارع في بناء منزله الفخم ذي الأسطح السبعة، والذي سيُصبح رمزًا لعائلته ومصيرها. لكن هذا البناء لم يَقُمْ على أرضٍ عادية، بل على أرضٍ انتزعها الكولونيل غدرًا من ماثيو مول، رجلٍ فقيرٍ اتُّهم زورًا بالسحر وأُعدم ظلمًا. وفي لحظاته الأخيرة، أطلق مول اللعنة الخالدة على الكولونيل وذريته قائلاً: “سيسقيه الرب دمًا ليشرب!”، وهي لعنةٌ ستطارد العائلة وتُلطخ كل جيلٍ منها.

بعد عقودٍ طويلة، نلتقي بالسيدة هيبزباه بنشيون، امرأةٌ عجوزٌ عزباء، تنتمي لآخر سلالات العائلة العريقة المتهالكة. تعيش هيبزباه وحيدةً في ذلك المنزل الكئيب الشاسع، الذي أضحى أطلالًا من الماضي، تعتريها الغربة والفقر المدقع. كانت تُعرف بعزلتها ووَحشتها، وكنزها الوحيد هو كبريائها المتبقي من مجدٍ غابر. لم تكن هيبزباه تملك سوى بضعة جنيهات من معاشها الزهيد، وقد اضطرت، مرغمةً وبقلبٍ يعتصره الألم، إلى فتح دكانٍ صغيرٍ في إحدى غرف المنزل المهيب لبيع الحلوى وأشياء بسيطة، في محاولةٍ يائسةٍ للبقاء على قيد الحياة. كان هذا القرار بمثابة وصمة عارٍ على جبين عائلة بنشيون العريقة، التي لم يكن أفرادها ليتخيلوا يومًا أن ينحدروا إلى هذا المستوى من الابتذال.

تصاعد الأحداث

تتغير حياة هيبزباه الرتيبة جذريًا مع عودة شقيقها، كليفورد بنشيون، بعد قضاء ثلاثين عامًا في السجن بتهمة قتل عمهما. كليفورد، الذي كان في شبابه رجلاً وسيمًا ومحبًا للجمال، عاد الآن كهلاً مُحطمًا، تائهًا بين ظلال ذاكرته الممزقة، لا يستطيع مواجهة العالم الخارجي ولا ضوء الشمس. كانت هيبزباه، رغم قسوتها الظاهرية، متعلقةً بأخيها تعلقًا عميقًا، وكان عودته هي النقطة المحورية التي بدأت عندها عجلة الأحداث في الدوران. لكن كليفورد لم يكن الوحيد القادم؛ فقد وصلت إلى المنزل الفخم الآيل للسقوط شابةٌ مشرقةٌ تدعى فيبي بنشيون، وهي قريبةٌ بعيدة لهما، تتمتع بروحٍ مرحةٍ وعمليةٍ لا تليق ببيئة المنزل الكئيبة. فيبي، بابتسامتها الدافئة وحيويتها، جلبت معها شعاع أملٍ وبهجةٍ إلى الأجواء القاتمة، ونجحت في إحياء الدكان الصغير بلمستها السحرية، وجلبت بعض الراحة لهيبزباه المتصلبة وكليفورد المُنكسر. لقد أصبحت كأنها الربيع الذي يكسر صقيع الشتاء الطويل.

في المنزل، كان يسكن أيضًا شابٌ يدعى هولجريف، مُصورٌ فوتوغرافيٌّ حديث الطراز (داجيروتيبيست) ذو أفكارٍ متطورةٍ وتوجهاتٍ اشتراكيةٍ تُثير فضول سكان البلدة المحافظة. كان هولجريف، الشاب النبيه الذي يُعتبر رمزًا للحداثة، يقضي أيامه في توثيق وجوه الماضي وعبء التاريخ، وكان يراقب عائلة بنشيون بفضولٍ مُتزايد، مُدركًا أن هناك أسرارًا أعمق مما تبدو عليه. بدأ هولجريف وفيبي يتقاربان، وتظهر بينهما علاقةٌ تتجاوز حدود الإيجار والصداقة، حاملةً في طياتها بذرة حبٍّ جديد.

ومع تصاعد الأحداث، يظهر الشرير الحقيقي في الرواية: القاضي جافري بنشيون، ابن عم كليفورد وهيبزباه، وهو رجلٌ ثريٌّ وقويٌّ، يُعتبر من وجهاء المدينة. كان القاضي يُشبه الكولونيل بنشيون المؤسس في طموحه وجشعه، ويُخفي تحت قناع الورع والإحسان قلبًا باردًا لا يرحم. كان القاضي جافري هو من لفَّق تهمة القتل لكليفورد، وله مصلحةٌ كبيرةٌ في إبقائه بعيدًا عن ثروة العائلة القديمة. كان يزور المنزل باستمرارٍ، لا لكي يُطمئن الأقارب، بل ليبحث عن وثيقةٍ ضائعةٍ يُعتقد أنها تُثبت ملكية العائلة لأراضٍ واسعةٍ في ولاية ماين، كان يؤمن أن كليفورد يعلم مكانها، وأنها مفتاح ثروته المستقبلية. كانت زياراته تُلقي بظلالٍ قاتمةٍ على المنزل، وتُحيي الرعب في قلب كليفورد المتهالك، الذي كان يخشى القاضي ويُعاني من وجوده.

ذروة الصراع العميقة

بلغت ذروة الصراع في أحد الأيام المشؤومة حينما حضر القاضي جافري بنشيون إلى المنزل كعادته، لكن هذه المرة كان أكثر إصرارًا وعنادًا. دخل القاضي، ببزته الأنيقة وابتسامته المصطنعة، إلى صالون المنزل العتيق، وجلس على الكرسي الموروث، وهو نفس الكرسي الذي مات عليه الكولونيل بنشيون قبل قرون. كان القاضي مصممًا على انتزاع الاعتراف من كليفورد بشأن مكان الوثيقة الضائعة. لم تكن هذه مجرد زيارة عادية، بل كانت مواجهةٌ محتومةٌ بين الماضي والحاضر، بين الظالم والضحية. حاول القاضي الضغط على كليفورد، وتهديده بالعودة إلى السجن إذا لم يتعاون، لكن كليفورد كان أضعف من أن يتحمل هذا الضغط. هيبزباه، التي كانت تشهد هذا المشهد المروع، شعرت بعجزٍ مطبق، وحاولت جاهدةً حماية شقيقها المُنكسر من جبروت القاضي.

انتظر القاضي جافري في كرسيه، متوقعًا أن يُجبر كليفورد على الاستسلام. مرت الساعات بطيئةً وثقيلةً، ونسي القاضي نفسه، مستغرقًا في أحلامه حول الثراء والسلطة التي ستجلبها له تلك الوثيقة. لكن القدر كان يُخبئ له مفاجأةً أكثر قسوةً من كل توقعاته. فجأةً، وبدون سابق إنذار، خمدت أنفاس القاضي، وتيبس جسده في مكانه. لقد مات القاضي جافري بنشيون على نفس الكرسي الذي مات عليه سلفه، الكولونيل بنشيون، وبنفس الطريقة الغامضة والمفاجئة، وكأن لعنة ماثيو مول قد عادت لتُطارد العائلة وتُحصد أرواح الجشعين منهم. المشهد كان مرعبًا ومُفجعًا، حيث سقط جافري ضحيةً لسكتةٍ دماغيةٍ، وهي ناتجةٌ عن مرضٍ وراثيٍّ شائعٍ في عائلة بنشيون، وربما كان هذا هو “الدم” الذي توعدت به اللعنة القديمة.

في حالةٍ من الرعب والهلع، ومعتقدين أن كليفورد قد ارتكب الجريمة مرة أخرى، قامت هيبزباه وكليفورد بفعلٍ غير محسوبٍ وغير متوقع. تركا القاضي الميت على كرسيه، وهربا من المنزل، بلا وجهةٍ محددة، تاركين وراءهما جثةً وراءها حكايات قرونٍ من الغدر والظلم. كان هذا الهروب بمثابة محاولةٍ يائسةٍ لكسر قيود الماضي، وإن كانت مشوبةً بالخوف والجنون. لقد بدا وكأن العائلة قد وصلت إلى قاع الهاوية، حيث لا مفر من اللعنة ولا خلاص من الماضي.

النهاية بالتفصيل

بعد هروب هيبزباه وكليفورد، عمت الفوضى البلدة، وانتشرت الشائعات حول موت القاضي جافري بنشيون واختفاء الأخوين. عادت فيبي إلى المنزل الكئيب لتجد المأساة قد حلت به، ولكن هذه المرة، لم تكن وحدها. كان هولجريف، المصور الشاب، هناك، وكان هادئًا بشكلٍ غريبٍ وسط هذه الأزمة. كشف هولجريف لفيبي عن حقيقةٍ صادمة: أن القاضي لم يُقتل، بل مات بسكتةٍ دماغيةٍ بسبب مرضٍ وراثيٍّ عائلي، وهو ما حدث للكولونيل بنشيون من قبله. لقد كانت لعنة ماثيو مول تتحقق بطريقةٍ غير مباشرة، ليس بالقتل المباشر، بل بالمرض الذي يورثه الجشع والظلم عبر الأجيال.

لم يكتفِ هولجريف بذلك، بل كشف عن سرٍّ أكبر: لقد كان هو نفسه سليلًا مباشرًا لماثيو مول، الرجل الذي لعن عائلة بنشيون. كان هذا الاعتراف هو المفتاح الذي سيُفكك عقدة اللعنة الأبدية. اعتراف هولجريف بحقيقة أصله لم يكن مجرد كشفٍ تاريخي، بل كان مقدمةً لاعترافٍ آخر: اعترافه بحبه لفيبي، التي تمثل الجمال والنقاء والأمل. لقد كانت فيبي، سليلة بنشيون، وهولجريف، سليل مول، يتحدان معًا، ليكونا الجسر الذي سيردم الهوة بين العائلتين المتنازعتين، وينهي صراعًا دام قرونًا.

تُكشف الحقيقة الكاملة: الوثيقة المزعومة التي طاردها القاضي جافري بنشيون، والتي كان يعتقد أنها تُشير إلى ثروةٍ هائلة، لم تكن سوى دليلٍ على ملكية لأراضٍ غير صالحة للزراعة في ولاية ماين، لا قيمة حقيقية لها. لقد كانت مجرد وهمٍ طارد جيلًا بعد جيل، دافعًا إياهم لارتكاب المظالم والجشع. هذا الكشف يُحرر كليفورد من عبء الاتهام بالقتل، ويثبت براءته، ويُرفع عنه ظلمٌ استمر لثلاثين عامًا.

في النهاية، تُكسر اللعنة بشكلٍ كاملٍ ونهائي. يُغادر الأخوة بنشيون، هيبزباه وكليفورد، المنزل المهجور ذي الأسطح السبعة، برفقة فيبي وهولجريف. تُعلن العائلة عن بدايةٍ جديدة، خاليةٍ من شبح الماضي وعقوبة الأجداد. ينتقلون إلى منزلٍ ريفيٍّ أكثر إشراقًا وبهجة، حيث يمكن لكليفورد أن يجد السلام والطمأنينة التي افتقدها طوال حياته. يُمثل اتحاد هولجريف وفيبي نهايةً للعائلة القديمة وبدايةً لعائلةٍ جديدةٍ تحمل أملًا في مستقبلٍ أفضل، خالٍ من خطايا الأجداد. أصبح المنزل القديم مجرد أثرٍ تاريخي، يروي قصةً لا ينبغي أن تتكرر، وليس سجنًا لأرواح أصحابه. لقد تحرروا أخيرًا من قبضة الجدران القديمة ومن العواقب الثقيلة للجشع، ليعيشوا حياةً تُحدِّدها اختياراتهم الخاصة، لا ذنوب أسلافهم.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *