مقدمة وعالم الرواية

في عالم تكتنفه الفلسفة وتتصارع فيه قوى الخير والشر، تبدأ ملحمة ‘فاوست’ لـ يوهان فولفجانج فون جوته، بعملٍ تمهيدي مهيب في السماء. هنا، يتحدى الشيطان ‘ميفستو’ الرب، ويراهن على قدرته على إغواء البشر وفسادهم، ويزعم أن الإنسان، حتى في أرقى صور سعيه، لا يلبث أن يضل طريقه وينحدر إلى مهاوي اليأس والخطايا. يرد الرب مؤكداً ثقته المطلقة في الإنسان، ويقبل الرهان، مُشيرًا إلى ‘الدكتور فاوست’ كنموذج لذلك الإنسان الساعي.

على الأرض، نجد ‘فاوست’ الشيخ، العالم الجليل الذي أفنى عمره في دراسة كافة فروع المعرفة: الفلسفة، الطب، القانون، اللاهوت. لكنه رغم ذلك كله، يجد نفسه غارقاً في بحر من اليأس والتشاؤم. لقد اكتشف أن كل علمه لم يجلب له السعادة الحقيقية أو الفهم المطلق لجوهر الحياة. يشعر بالخواء العميق، ويدرك أن الكتب لم تستطع أن تمنحه تجربة الوجود الحيّ، فيفكر بالانتحار للتخلص من عذابه. وفي لحظة اليأس تلك، تخترق آذانه أصوات أجراس عيد الفصح، التي توقظ فيه ذكريات طفولته النقية وإيمانه الغابر، فيتراجع عن فكرته المظلمة، لكن روحه تظل متعطشة لشيء أكبر، لتجربة الوجود بكل أبعاده، مهما كان الثمن.

في هذه الأثناء، يظهر ‘ميفستو’ متنكراً في هيئة كلب أسود يتبع فاوست، ثم يتحول إلى ‘شكل عالم مسافر’ يثير رعب فاوست وفضوله في آن واحد. يبدأ ‘ميفستو’ بإغراء فاوست بوعود المعرفة المطلقة والخبرات التي تتجاوز حدود البشر. وهنا يعقد فاوست وميفستو عهداً شيطانياً: سيخدم ‘ميفستو’ فاوست في حياته الدنيوية، ويلبي له كل رغباته، على أن تصبح روح فاوست ملكاً لميفستو بعد موته. لكن فاوست يضيف شرطاً مصيرياً: لن يتمكن ‘ميفستو’ من الظفر بروحه إلا إذا استطاع أن يمنح فاوست لحظة من السعادة الخالصة، لحظة تكون فيها الحياة جميلة لدرجة أن فاوست يتمنى أن تتوقف عندها، فيقول لها: ‘توقفي أيتها اللحظة، إنك جميلة جداً!’.

تصاعد الأحداث

ينطلق فاوست، الشاب الآن بفعل جرعة سحرية من ‘مطبخ الساحرة’، في رحلته مع ‘ميفستو’ عبر العالم. يبدأ الاثنان بزيارة ‘حانة أويرباخ’ في لايبزيغ، حيث يشهد فاوست رقصات الطلاب ولهوهم الخالي من الهموم، لكنه لا يجد فيه ما يروي ظمأ روحه المتعطشة. يظل فاوست يبحث عن المعنى، عن التجربة الحقيقية التي تملأ الفراغ في قلبه. وبينما يتجول في المدينة، يلمح فاوست فتاة شابة بريئة وجميلة تدعى ‘مارجريت’ أو ‘غريتشن’. تسحره بجمالها ونقاوتها، ويقع في حبها من النظرة الأولى، عازماً على امتلاك قلبها.

‘ميفستو’، سيد الخبث والمكائد، يبدأ بمساعدة فاوست على إغواء غريتشن. يضع لها المجوهرات الثمينة في غرفتها، ويرتب لهما لقاءات سرية في حديقة صديقتها ‘مارثا’. تنمو مشاعر غريتشن تجاه فاوست، وتجد نفسها منجذبة لهذا الرجل الغامض والوسيم، لكن قلبها النقي يصارع بين حبها وضميرها الذي يؤنبها على علاقتها المحرمة. وفي لحظة ضعف، تخضع غريتشن لفاوست، وتصبح حاملاً بطفله. يتعمق الصراع الداخلي لديها، وتزداد معاناتها وهي تخفي سرها الثقيل.

تتصاعد الأحداث بشكل مأساوي عندما يعود ‘فالنتين’، أخو غريتشن، من الحرب، ويكتشف عار أخته. يتحدى فاوست في مبارزة، وبمساعدة ‘ميفستو’ الذي يشل حركة فالنتين، يطعن فاوست أخ غريتشن، الذي يموت وهو يلعن أخته ويوبخها أمام الجميع، كاشفاً حقيقة حملها. تنهار غريتشن تحت وطأة الذنب والخزي الاجتماعي، وتُترك وحيدة تواجه مصيرها البائس. يهرب فاوست و’ميفستو’ تاركين وراءهما الدمار والحزن.

ذروة الصراع العميقة

بعد مقتل فالنتين، تزداد مأساة غريتشن عمقاً. تجد نفسها وحيدة، مطرودة من المجتمع، وتنجب طفلها غير الشرعي. في لحظة يأس شديد وعقل مشوش، وبفعل اليأس والخوف من العار والجوع، تقدم غريتشن على جريمة لا تغتفر: تُغرق طفلها الرضيع في بركة مياه. تُكتشف جريمتها وتُسجن، محكومة بالإعدام بتهمة قتل الأطفال. تُصاب غريتشن بالجنون، وتتوه في عالم من الهلوسات والرؤى المروعة.

في هذه الأثناء، يحاول ‘ميفستو’ إلهاء فاوست عن معاناة غريتشن، فيأخذه إلى ‘ليلة والبورجيس’ الساحرة، حيث يجتمع السحرة والجن في احتفال شيطاني على جبل ‘بروكن’. لكن حتى وسط هذا الجنون والضجيج، لا يجد فاوست سلاماً. يرى رؤى لغريتشن، وتطارده صورتها المكلومة، ويشعر بذنب فظيع يؤرقه. يطلب من ‘ميفستو’ أن يعيده إلى غريتشن، وينجح فاوست في إقناع ‘ميفستو’ بمساعدته على إنقاذها من السجن.

يزور فاوست غريتشن في زنزانتها المظلمة، ويحاول إقناعها بالهرب. لكن غريتشن، التي فقدت عقلها جزئياً، تختلط عليها الأمور، وتتذكر جريمتها، وتتحدث عن طفلها الميت وأمها المسمومة (بواسطة فاوست عن طريق الخطأ). ترفض غريتشن الهرب معه، مدركة أن نجاتها الدنيوية لن تغفر خطاياها الروحية. تفضل أن تسلم نفسها لعدالة السماء، وأن تموت لتجد الخلاص الروحي. وفي لحظة مهيبة، وبينما كانت ترفض محاولات فاوست وميفستو لإخراجها، تُسمع أصوات من السماء تعلن: ‘هي قد خلصت!’، في إشارة إلى أن روحها الطاهرة قد نالت المغفرة الإلهية رغم خطاياها الدنيوية. هذا هو ذروة الصراع العاطفي والمأساوي في الجزء الأول من الرواية، حيث يواجه فاوست عواقب أفعاله المدمرة وتتجلى التضحية الفدائية لروح نقية.

بعد مأساة غريتشن، يجد فاوست نفسه في دوامة جديدة من البحث عن معنى الوجود. ينتقل الجزء الثاني من الرواية إلى نطاق أوسع، حيث تتجاوز مغامرات فاوست حدود العلاقات الشخصية لتشمل السياسة والتاريخ والفن والفلسفة. يسعى فاوست الآن إلى تحقيق ‘الجمال المثالي’ من خلال حبه لـ ‘هيلين طروادة’، وإلى بناء مجتمع مثالي، وذلك بمساعدة ‘ميفستو’ الذي يظل رفيقه الشرير في هذه الرحلة الطويلة.

النهاية بالتفصيل

يتقدم العمر بفاوست، ويتحول شغفه من الملذات الحسية إلى الطموح في تحقيق إنجاز خالد يخدم البشرية. ينخرط فاوست في مشروع ضخم لاستصلاح الأراضي من البحر، وتحويل المستنقعات إلى سهل خصب، وإنشاء مدينة مزدهرة يعيش فيها الناس أحراراً ونشيطين. يرى في هذا المشروع تحقيقاً لمفهوم ‘الجنة’ على الأرض، حيث يعيش الإنسان منتجاً وسعيداً، وتكون حياته ذات قيمة حقيقية.

لكن حتى في هذا المسعى النبيل، يظهر الجانب المظلم من طموح فاوست. فلكي يكتمل مشروعه، يجد فاوست نفسه مضطراً لإزالة كوخ قديم وكنيسة صغيرة تعود لزوجين مسنين، ‘فيليمون وباوكيس’، اللذين يرفضان الرحيل. يصدر فاوست أمره بإزالتهم، ويقوم ‘ميفستو’ ورجاله بتنفيذ الأمر بوحشية، حيث يحرقون الكوخ والكنيسة، ويتسبون في موت الزوجين المسنين. يرتعب فاوست من هذا الفعل، ويشعر بالذنب، مدركاً أنه تسبب في مأساة جديدة باسم التقدم.

في شيخوخته وعماه، تزوره ‘العناية’ (Sorge)، وهي روح تمثل الهم والقلق، وتُصيبه بالعمى الجسدي. لكن هذا العمى الخارجي يوقظ فيه بصيرة داخلية. يتخيل فاوست مشروعه العظيم قد اكتمل، ويرى البشرية تعيش بحرية وسعادة على الأرض التي استصلحها. في هذه اللحظة، يعتقد فاوست أنه وصل إلى مبتغاه، إلى اللحظة السعيدة التي كان يبحث عنها طوال حياته، اللحظة التي تفيض بالمعنى والجمال والخير. فيصيح فاوست بكلماته الشهيرة: ‘توقفي أيتها اللحظة، إنك جميلة جداً!’.

عند هذه الكلمات، يظن ‘ميفستو’ أنه قد ربح الرهان، وأن روح فاوست أصبحت ملكاً له. لكن المفاجأة تكمن في أن فاوست لم يتمنَّ أن تتوقف اللحظة التي يعيشها فعلاً، بل كان يتمنى أن تتوقف اللحظة المستقبلية المثالية التي يتخيلها لمشروعه وللبشرية. وفي اللحظة الأخيرة، تتدخل الملائكة السماوية، وتنتزع روح فاوست من بين أيدي الشياطين. يتم إنقاذ روحه وصعودها إلى السماء، ليس لأنه كان بلا خطيئة، بل بفضل سعيه الدائم والمستمر، وبتضرعات غريتشن التي تنتظر في السماء. فقد حكمت السماء بأن ‘من يسعى جاهداً دائماً، يمكننا أن نخلصه’. وهكذا، تنتهي ملحمة فاوست بنصره على ‘ميفستو’، وتأكيد أن السعي البشري الدائم نحو الأفضل، حتى وإن كان مليئاً بالأخطاء، هو مفتاح الخلاص والارتقاء الروحي.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *