مقدمة وعالم الرواية:
في قلب منطقة “كاتسكيل” الساحرة، حيث تتلألأ قمم الجبال الزرقاء كجواهر متلألئة في الأفق، ويُخيّم الضباب على الوديان في الصباح الباكر، كان هناك وادٍ هادئ يحتضن قرية صغيرة منسية تقطنها عائلات من أصول هولندية عريقة، بُنيت بيوتها بأسلوب معماري مميز. في هذه القرية الوادعة، التي كانت لا تزال ترزح تحت حكم الملك جورج الثالث قبل أن تدب فيها روح الثورة الأمريكية، عاش رجل يُدعى “ريب فان وينكل”. كان ريب شخصية محبوبة وغريبة الأطوار في آن واحد؛ كان طيب القلب، لطيف المعشر، ومستعداً دائماً لمساعدة جيرانه في أي عمل لا يعود عليه بمنفعة شخصية مباشرة. أحبه أطفال القرية كثيراً، فكان رفيقهم في اللعب، يروي لهم القصص، ويصنع لهم الطائرات الورقية ويُعلمهم الصيد. وحتى الكلاب لم تكن تنبح عليه، بل كانت تتبعه بودٍّ في جولاته.
ولكن، كانت لريِب صفة واحدة تكاد تكون لعنة: كرهه الشديد لأي شكل من أشكال العمل المنتج الذي يعود عليه بالرزق الوفير. كان يفضل قضاء وقته في التجول بالصيد، أو الصيد بالسنارة، أو حتى مجرد الجلوس على صخرة والتأمل في جمال الطبيعة. كانت مزرعته الأصغر والأكثر إهمالاً في كل القرية، أسوارها متهدمة، وحقولها تعج بالحشائش الضارة. لم يكن يملك القوة لتشذيب مزرعته، لكنه كان يملك الوقت والجهد الكافيين لمساعدة جيرانه في أعمالهم. كانت هذه الصفة سبباً في شقاء حياته الزوجية، فقد كانت زوجته، “ديم فان وينكل”، امرأة سليطة اللسان، لا تتوقف عن توبيخه ولومه على كسله وإهماله لمنزله وأطفاله. كان صوتها الحاد يطارده أينما ذهب، حتى أصبح هروبه إلى الغابات الكثيفة بصحبة كلبه الوفي “وولف” وبندقيته القديمة هو ملجأه الوحيد من نكد زوجته ومنغصات الحياة.
تصاعد الأحداث:
مع مرور الأيام، ومع تزايد حدة توبيخات زوجته التي لا تنقطع، وتدهور حال مزرعته، قرر ريب ذات يوم أن يصعد إلى أعالي جبال “كاتسكيل” الشاهقة، أبعد من أي وقت مضى. كانت الشمس قد بدأت في الميل نحو الغروب، وأشعتها الذهبية تلون قمم الأشجار بلون العقيق. رافقه كلبه “وولف”، الذي كان يعاني هو الآخر من كره “ديم فان وينكل” له بسبب تتبعه لريِب في مغامراته. صعد ريب و”وولف” عبر المسالك الوعرة، متسلقين المنحدرات الصخرية ومخترقين الأدغال الكثيفة. استمتع ريب بالسكينة التي وجدها في أعماق الغابة، بعيداً عن صخب القرية وصوت زوجته. قضى بعض الوقت في مطاردة السناجب الجبلية الرشيقة، وفي النهاية وصل إلى مكان مرتفع وشبه معزول، يوفر إطلالة بانورامية خلابة على وادي نهر الهدسون المتلألئ.
جلس ريب ليستريح، وشاهد الغروب وهو يصبغ السماء بألوانه القرمزية والبنفسجية. كانت الأجواء غريبة بعض الشيء؛ هدوء مطبق لا يقطعه سوى أصوات الطبيعة الخافتة. وبينما كان يفكر في العودة قبل أن يحل الظلام الدامس، سمع صوتاً عميقاً ينادي اسمه من بعيد، “ريب فان وينكل! ريب فان وينكل!”. استغرب ريب الصوت، وظن أنه صديق له، لكنه لم ير أحداً. بعد قليل، تكرر النداء، وبدا وكأنه يصعد من أعماق الوادي. نهض ريب مذعوراً، متسائلاً عن مصدر الصوت الغريب. نظر إلى الأسفل وشاهد رجلاً قصيراً مكتنزاً، يرتدي ملابس قديمة الطراز الهولندية، ويحمل على ظهره برميلاً ضخماً. كان الرجل يواجه صعوبة بالغة في تسلق المنحدر، فأومأ لريِب لكي يساعده. وعلى الرغم من حيرته، لم يستطع ريب أن يرفض مساعدة، فتقدم نحو الرجل الغامض.
ذروة الصراع العميقة:
لم يتحدث الرجل القصير بكلمة واحدة، بل أومأ لريِب باتباعه وهو يشير إلى البرميل الثقيل. حمل ريب جزءاً من البرميل وصعدا معاً عبر وادٍ ضيق وشق صخري عميق لم يره ريب من قبل في كل مغامراته السابقة. كان المسير صعباً والظلام بدأ يحلّ. وفجأة، وجدا نفسيهما في ساحة دائرية أشبه بالمدرج، مُحاطة بأشجار عملاقة وصخور ضخمة. هناك، شاهد ريب مشهداً عجيباً: مجموعة من الرجال ذوي اللحى الطويلة، يرتدون ملابس هولندية قديمة الطراز، يلعبون لعبة البولينج (الكريكت القديمة) في صمت مطبق. كان كل واحد منهم يمتلك وجهاً جدياً وعبوساً، وعيونهم كانت ثابتة وباردة، كأنهم لا يمتلكون أي مشاعر. كان صوت كرات البولينج وهي تصطدم ببعضها تصدر أصواتاً مدوية تشبه الرعد، وتتردد أصداؤها في جبال “كاتسكيل” بأكملها.
كان المشهد غريباً ومربكاً لريِب. لم يرَ في حياته قط رجالاً بهذه الجدية والغرابة. لم يتبادلوا كلمة واحدة، ولم تظهر على وجوههم أي ابتسامة، حتى وهم يلعبون. أشار الرجل القصير الذي رافقه لريِب أن يقدم الشراب من البرميل للرجال. بعد أن أنهى الرجال جولتهم، أومأ أحد الرجال لريِب أن يشرب من البرميل. لم يكن ريب يمانع في تذوق الشراب الغامض. كان مذاقه لذيذاً ومنعشاً بشكل مدهش، فتناول منه كوباً تلو الآخر. سرعان ما شعر بدوار غريب يلف رأسه، وأثقلت جفونه بالنعاس. حاول أن يقاوم، لكن الشراب كان قوياً جداً. سقط ريب في سبات عميق، نام نوماً لم ينم مثله من قبل، نوماً امتد لعقود طويلة، بينما كانت الكرة الأرضية تدور من حوله وتتغير ملامحها دون أن يدري.
النهاية بالتفصيل:
عندما استيقظ ريب فان وينكل، وجد نفسه مستلقياً على العشب الأخضر، في نفس المكان الذي نام فيه بالأمس. لكن شيئاً ما كان مختلفاً. شعر بتصلب شديد في مفاصله، وكأن جسده قد شاب فجأة. حاول البحث عن بندقيته، فوجدها متهالكة، صدئة، وآيلة للسقوط، وكأنها بقيت هناك لعقود. نادى على كلبه “وولف”، لكن لا رد. بحث عن الرجال الغامضين ومكان لعب البولينج، لكن كل شيء اختفى وكأنه حلم لم يحدث قط. ظن ريب أنه نام ليلة واحدة فقط، وأن الرجال الغامضين قد غادروا.
تسلل إلى أسفل الجبل نحو قريته، لكن ما رآه صدمه. لم تعد القرية هي ذاتها التي يعرفها. لقد كبرت، وتغيرت بيوتها، وبدا مظهرها مختلفاً تماماً. كانت وجوه الناس غريبة عليه، لم يتعرف على أحد منهم. كانت ملابسهم غريبة وعصرية، وتصرفاتهم تبدو مختلفة. حتى لغة الحديث بدت وكأنها تغيرت بعض الشيء. عندما سأل عن أصدقائه القدامى، مثل “نيكولاس فيدر” صاحب الحانة القديمة و”بروم دتشر”، قيل له إنهم ماتوا منذ سنوات طويلة، أو غادروا القرية. عندما وصل إلى ما كان يعتقد أنه منزله، وجده شبه مهدم، نوافذه محطمة، وأبوابه مخلوعة. دخله فوجد عائلة غريبة تعيش فيه.
وسط هذه الفوضى، وجد مجموعة من الناس يجتمعون في ساحة القرية، يتحدثون بحماس عن الانتخابات وحقوق المواطنين. رأى لافتة تحمل صورة رجل له شعر كثيف وبشرة بيضاء، مكتوباً تحتها “الجنرال واشنطن”، حيث كان في السابق معلقاً صورة الملك جورج الثالث. كان كل هذا مربكاً جداً لريِب، الذي لم يكن يدرك أن أمريكا قد حصلت على استقلالها. عندما سأله الناس عن هويته وانتماءاته السياسية، أصبحت حيرته أكبر. وأثناء سؤاله عن “ريب فان وينكل” نفسه، أشار إلى شاب يقف في الحشد، يشبه ريب في شبابه تماماً، ليكتشف أنه ابنه الذي كبر وأصبح رجلاً. عندها أدرك ريب حجم التغيير الذي حدث.
أخيراً، تدخلت امرأة عجوز، وراحت تفحص وجه ريب. بعد لحظة، صرخت متعجبة، “بالتأكيد! إنه ريب فان وينكل نفسه! أهلاً بك في بيتك أيها الجار القديم. أين كنت هذه العشرين سنة الطويلة؟”. عندها فقط، أدرك الجميع الحقيقة المذهلة. لقد نام ريب فان وينكل لعشرين عاماً كاملة، وتجاوز جيلاً كاملاً من التغيير. عرف أن زوجته سليطة اللسان قد ماتت منذ زمن بعيد، وأن ابنته “جوديث” قد كبرت وتزوجت وأنجبت أطفالاً. عاش ريب بقية حياته مع ابنته وزوجها، حيث استعاد عافيته رويداً رويداً. اعتاد على العالم الجديد، وأصبح واحداً من شيوخ القرية المحترمين. كان يقضي أيامه في الحديقة المشمسة أمام منزل ابنته، يروي قصته الغريبة للأطفال والسياح، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من فولكلور “كاتسكيل”. لقد نال أخيراً السلام من منغصات زوجته ومن عناء العمل، وعاش بقية أيامه في راحة وسكينة، يروي حكايته عن الأيام الغابرة وعن رجال “هندريك هدسون” الغامضين الذين يتردد صدى لعبهم البولينج في الجبال كل عشرين عاماً.

