مقدمة وعالم الرواية
في قلب ولاية كونيتيكت الأمريكية، حيث تدور عجلة الصناعة وتنبعث الأبخرة من المصانع، وُلِد رجل يُدعى “هانك مورغان”. لم يكن هانك مجرد عامل عادي، بل كان مُهندساً بارعاً ومشرفاً ماهراً في مصنع للأسلحة، يمتلك عقلاً عملياً متقداً وشغفاً بالابتكار والتطوير. كان يعيش في القرن التاسع عشر، عصر التقدم العلمي والقفزات التكنولوجية التي بدأت تغير وجه العالم. ولكن القدر كان يخبئ له مغامرة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ذات يوم، بعد مشاجرة عنيفة في المصنع، تعرض هانك لضربة قوية على رأسه، أفقدته الوعي وألقت به في غياهب اللاوعي. عندما استيقظ، وجد نفسه في عالم غريب لم يكن يتوقعه أو يتخيله قط.
لم يكن المكان الذي استيقظ فيه هانك هو مصنعه المعتاد، ولا شوارع هارتفورد التي يعرفها. بل كانت قلعة من القرون الوسطى، يحيط بها فرسان يرتدون الدروع اللامعة، ويحملون السيوف والرماح. لم يكن يدري في البداية أين هو، لكن سرعان ما أدرك الحقيقة الصادمة: لقد انتقل عبر الزمن إلى إنجلترا في القرن السادس الميلادي، تحديداً إلى بلاط الملك آرثر الأسطوري! عالم يملؤه السحر والشعوذة والخرافات، حيث تحكم الكنيسة والعادات الإقطاعية حياة الناس، وتتوارى شمس العقلانية تحت غيوم الجهل. وجد هانك نفسه محاطاً بشخصيات سمع عنها في الأساطير: الملك آرثر النبيل الساذج، الفرسان الأوفياء والساذجون أيضاً، الساحر ميرلين الذي يعتمد على الحيل الرخيصة، ورفيقه الذي أنقذه في البداية، السير كاي.
في هذا العالم البدائي، الذي يفتقر إلى أبسط مقومات الحضارة التي يعرفها، كان هانك مورغان يمثل كائناً فضائياً قادماً من مستقبل بعيد. كان لباسه العصري وشعره القصير وأسلوبه في الحديث غريباً عنهم. سرعان ما اعتُبر هانك شخصية غامضة، ثم سُجن واتُهم بالخيانة. حُكم عليه بالإعدام، ولكن عقله العملي لم يتوقف عن التفكير. تذكر هانك أن هناك كسوفاً شمسياً كان على وشك الحدوث في التاريخ الذي هو فيه الآن. استغل هذه المعلومة، وأعلن أنه سيخفي الشمس إذا لم يُطلق سراحه. وبالفعل، حدث الكسوف في اللحظة المناسبة، مما أثار الرعب في قلوب الجميع، وأقنعهم بأنه ساحر أعظم من ميرلين نفسه. وهكذا، نجا هانك من الموت، وارتقى ليصبح “الرئيس” (The Boss)، المستشار الأقوى للملك آرثر، يخطط في صمت لتحويل هذا العالم البدائي إلى صورة مصغرة من أمريكا القرن التاسع عشر.
تصاعد الأحداث
بعد أن رسخ مكانته كـ”الرئيس”، بدأ هانك مورغان بتنفيذ خطته الطموحة لتحويل إنجلترا البدائية إلى أمة حديثة ومتقدمة. لم يكن هدفه مجرد إحداث تغيير سطحي، بل كان يرمي إلى إيقاظ العقول وإشعال شرارة التنوير في مجتمع يعيش في ظلام الجهل والخرافة. بدأ عمله سراً، خوفاً من إثارة مقاومة الكنيسة والنبلاء الذين يجدون في هذا النظام الإقطاعي مصدر قوتهم وسلطتهم. أنشأ المدارس، وبث روح التعلم والمعرفة، وأرسل مبعوثيه الموثوقين لفتح المصانع، وتأسيس شبكات الهاتف والتلغراف، وحتى إنشاء صحيفة يومية ومكتب براءات اختراع، كلها تحت ستار “السحر” الذي لا يفهمه أحد.
لم يكتفِ هانك بالعمل السري، بل قرر أن يغوص في أعماق هذا المجتمع ليُفهم الملك آرثر حقيقة معاناة شعبه. تجوّل مع الملك آرثر متنكرين في زي الفلاحين، وهناك شهد الملك بنفسه البؤس والظلم الذي يتعرض له العامة من قبل النبلاء الجشعين ورجال الكنيسة المتعجرفين. كانت هذه التجربة صادمة للملك، الذي كان يعتقد أن فرسانه الشجعان يحمون شعبه. كما رافق هانك “ساندي” (أليساندا دي كامباني) في رحلة لإنقاذ أميرات مزعومات، ليتعرّف عن كثب على التقاليد السخيفة التي تحكم هذا العصر، وكم هي الحياة عبثية في ظل الإيمان بالخرافات والتقاليد البالية.
مع مرور الوقت، بدأ هانك في تدريب مجموعة من الشباب الأذكياء والمتحمسين، الذين أطلق عليهم اسم “الفتيان” (The Boys). هؤلاء الفتيان أصبحوا يده اليمنى وعقله التنفيذي، حيث علّمهم مبادئ العلم والتكنولوجيا الحديثة، وأصبحوا نواة التغيير الذي يسعى إليه. لم تتوقف جهوده عند هذا الحد، بل وصل إلى تحدي الفرسان في ساحة قتالهم. ففي إحدى البطولات، تحدّى هانك الفرسان بأسلحة حديثة لم يسبق لهم رؤيتها، كالحبال والأجهزة الكهربائية البسيطة التي أثبتت فعاليتها الساحقة ضد الدروع الثقيلة والسيوف التقليدية، مما أثار دهشة ورعب الجميع. لقد كان يثبت أن قوة العقل والتكنولوجيا تتفوق على قوة العضلات والعادات البالية.
لقد كان هانك يرى في نظام الفروسية الإقطاعي نظاماً قمعياً، يستخدم النبل والدين لتبرير ظلم الفئة الحاكمة. حاول جاهداً أن يُحدث ثورة صناعية وثقافية سلمية، رافضاً العنف قدر الإمكان في البداية. أمل في أن يتمكن العلم والتكنولوجيا من تحرير الناس من قيود الجهل والعبودية الاقتصادية. أصبحت إنجلترا، بفضل جهوده، تتحول شيئاً فشيئاً إلى دولة حديثة تطل من بين ركام العصور الوسطى، لكن هذه التغييرات الجذرية لم تمر دون أن تلفت انتباه القوى التقليدية في البلاد: الكنيسة الكاثوليكية والنبلاء الإقطاعيون، الذين شعروا بأن سلطتهم المطلقة بدأت تتآكل أمام هذا الوافد الغريب وأفكاره الثورية.
ذروة الصراع العميقة
لم يغب عن بال الكنيسة والنبلاء التأثير المتزايد لـ”الرئيس” الغريب و”سحره” المستورد. كانت إصلاحات هانك، التي جلبت التعليم والصناعة وحرية التفكير إلى العامة، تهديداً مباشراً لبنيان سلطتهم الذي استمر قروناً طويلة. كانوا يرون في التقدم التكنولوجي الذي يجلبه هانك تحدياً للعقيدة، وفي إيقاظ الوعي لدى الفلاحين نذيراً بزوال امتيازاتهم. لم يجدوا بداً من التصرف، فأصدرت الكنيسة أمراً بالمنع الكنسي الشامل (Interdict) ضد هانك وأتباعه، معلنةً إياهم مرتدين ومهرطقين، وحرمت عليهم كل الحقوق الدينية والاجتماعية. سرعان ما تحول هذا المنع إلى دعوة صريحة للحرب المقدسة، حيث حشدوا جيوشاً جرارة من الفرسان المتدينين والنبلاء المتعصبين، وعشرات الآلاف من الفلاحين الذين غُسلت أدمغتهم ليؤمنوا بأن “الرئيس” هو تجسيد للشر، وأن الخلاص يكمن في القضاء عليه.
وجد هانك مورغان نفسه أمام جيش لا يُقهر، يقوده نخبة فرسان المائدة المستديرة، الذين كانوا أصدقاء له في يوم من الأيام، ولكنهم الآن أعداء لدودون يغذيهم الوهم والتعصب. كان عددهم هائلاً، يقدر بالآلاف، في حين لم يكن معه سوى مجموعته الصغيرة من “الفتيان” المخلصين، زوجته ساندي، وابنته الصغيرة “هيلو-سنترال”. لم يكن هانك يرغب في القتال، لكنه أدرك أن لا مفر من المواجهة. كان قد بنى دفاعاته في وادٍ ضيق ومحكم التحصين، أطلق عليه اسم “وادي الضائعين” (Valley of the Lost)، مستفيداً من معرفته الهندسية والعسكرية. حوّل الوادي إلى مصيدة موت لا تُرحم، جهزها بالأسلحة الحديثة التي جلبها معه أو اخترعها.
عندما زحفت جيوش الفرسان إلى الوادي، واجهوا كابوساً تكنولوجياً لم يكن لديهم أي تصور عنه. أسلاك كهربائية ذات جهد عالٍ أحاطت بالمنطقة، أدت إلى صدم آلاف الفرسان وخيولهم حتى الموت بمجرد لمسها. انفجرت الألغام الأرضية التي زرعها هانك في كل مكان، محولة صفوف المهاجمين إلى أشلاء متناثرة. المدفعية التي صممها أطلقت قذائفها بسرعة مرعبة، لتفتك بالجنود من مسافات بعيدة. والأكثر رعباً كان النهر الذي حوله هانك إلى بحيرة صناعية، ليغرقه بالماء كلما تقدم الفرسان. لقد كانت آلة حرب مروعة، تقضي على الأرواح بالجملة، دون أدنى فرصة للمهاجمين للرد.
كان المشهد مروعاً، جثث الفرسان والخيول تتناثر على امتداد الوادي، أكوام من اللحم والصلب الممزق. لقد انتصر هانك، نعم، لكنه انتصر نصراً ملوثاً بالدماء. في تلك اللحظات، بدأ يساور هانك شعور عميق بالمرارة والأسى. لقد جاء ليُنقذ هؤلاء الناس من الجهل والظلم، لكنه انتهى به المطاف إلى ذبحهم بوحشية غير مسبوقة. أدرك أن محاولته لفرض التقدم بالقوة، وإن كانت نيته حسنة، قد أدت إلى كارثة إنسانية. لقد حطم العالم القديم، لكنه لم يبنِ عالماً جديداً يسوده السلام والحكمة، بل عالماً غارقاً في الدمار، معزولاً عن بقية البشر. كانت تلك اللحظة هي ذروة صراعه ليس مع الأعداء الخارجيين فحسب، بل مع نفسه، مع تساؤلاته عن جدوى التقدم إذا كان ثمنه هو الدمار الشامل.
النهاية بالتفصيل
بعد أن خبت أصوات المعركة وتوقفت صرخات الموت، ساد صمت رهيب وادي الضائعين. لقد انتصر هانك مورغان نصراً باهظ الثمن. كان الوادي مغطى بجثث لا تحصى من الفرسان، ودروعهم المتكسرة، وخيولهم الميتة. لقد قضى هانك على الجيوش التي جاءت لتقاتله، ولكن هذا الانتصار لم يجلب له السلام أو الرضا. بدلاً من ذلك، شعر بثقل هائل من الخسارة والفشل. كان قد خطط لتحرير هذا العصر، لإدخال النور، لكنه غرق في الظلام الخاص به. كان العالم الخارجي يرى وادي الضائعين كمنطقة موبوءة وملعونة، منطقة يحيط بها الموت والخوف، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. هذا العزل التام فرض على هانك ورفاقه البقاء داخل تحصيناتهم، محبوسين في قلعتهم التكنولوجية بين جبال من الجثث.
في خضم هذا الانتصار المرير، وبينما كان هانك يرى الدمار الذي أحدثه، تعرض لهجوم غادر من أحد الفرسان الناجين، الذي كان يُعتقد أنه قُتل. طعن الفارس هانك برمحه المسموم، وأصابته إصابة بليغة. في تلك اللحظة الحرجة، تولى الفتى “كلارنس”، أحد أذكى “الفتيان” وأكثرهم إخلاصاً لهانك، زمام الأمور. قام كلارنس برواية بقية الأحداث من وجهة نظره، مسجلاً اللحظات الأخيرة من حياة “الرئيس” في هذا العالم. حاول الفتيان إنقاذ هانك، ولكن السم كان سريع المفعول، وبدأ يغرق في نوم عميق، سببه ليس فقط السم، بل قد يكون أيضاً لعنة ألقاها الساحر ميرلين عليه، الذي كان قد دُفن حياً في قلعة هانك خلال المعركة.
بينما كان هانك يصارع الموت أو الغيبوبة، تحول وادي الضائعين إلى سجن فعلي. المياه الراكدة التي استخدمها هانك لإغراق الفرسان أصبحت الآن مصدراً للأوبئة. الفرسان القلائل الذين بقوا على قيد الحياة خارج الوادي فرضوا حصاراً محكماً، وربما كان أشد فتكاً من هجماتهم الأولية، حيث أن الأجواء أصبحت موبوءة بالمرض والعدوى. كانت النهاية مأساوية لكل من هانك ومملكته التكنولوجية المصغرة. فقد هانك الوعي تماماً، ونام نوماً عميقاً وطويلاً، بينما كانت زوجته ساندي وابنته هيلو-سنترال وفتيانه المخلصون محاصرين في وادٍ أصبح رمزاً للفشل، لا للنصر.
عندما استيقظ هانك مورغان أخيراً، وجد نفسه مرة أخرى في سريره المريح في هارتفورد، كونيتيكت، في القرن التاسع عشر. لقد كان كل شيء مجرد حلم طويل ومُركب، تجربة وعي فريدة وغريبة. شعر بخيبة أمل عميقة وحسرة لا توصف. لقد رأى مملكته تنهار، ورأى أحبائه يتبددون. كان قلبه ينفطر على زوجته “ساندي” وابنته “هيلو-سنترال” اللتين فقدهما. تذكر كل تفاصيل مغامرته، من صعوده كـ”الرئيس” إلى ذبحه للآلاف في وادي الضائعين. كانت الرواية تنتهي بمشهد حزين لهانك، وهو رجل عجوز منهك، يحدق في الفراغ، يطارده شبح الماضي الذي لم يكن موجوداً حقاً، ويتمنى لو أنه لم يستيقظ أبداً من حلمه المرير، حيث كان ملكاً ومحسناً، قبل أن يصبح آلة دمار.

