مقدمة وعالم الرواية

تبدأ القصة في لندن عام 1881، مع الدكتور جون واتسون، الطبيب العسكري الذي عاد لتوه من حملته في أفغانستان مصاباً ومرهقاً، ومعتلاً من جراحه وحمى التيفوس التي أصابته. يجد واتسون نفسه وحيداً، مثقلاً بهمومه المالية، ويبحث عن سكن مناسب يشاركه إياه لتقليل التكاليف. في أحد الأيام، يلتقي بصديق قديم يُدعى ستامفورد في حانة كريتريون، ويكشف له عن معضلة السكن. يقترح ستامفورد عليه مشاركة شقة مع زميل غريب الأطوار، لكنه ذو عقلية فريدة، يدعى شيرلوك هولمز. يصف ستامفورد هولمز بأنه رجل علم، يمارس التحليلات الكيميائية ببراعة ويهتم بدراسة الجريمة من منظور لم يسبق له مثيل.

يذهب واتسون لمقابلة هولمز في مختبر مستشفى بارثولوميو، حيث يراه لأول مرة محاطاً بالأنابيب والمحاليل، منهمكاً في تجاربه على الكشف عن الدم البشري. يكشف هولمز عن اختراعه لطريقة لا مثيل لها في الكشف عن بقع الدم، وهي تقنية جديدة تماماً في مجال الطب الشرعي. يتفق الرجلان على مشاركة شقة في 221B شارع بيكر الشهير، وسرعان ما يكتشف واتسون مدى تفرد شريكه في السكن. يلاحظ هولمز أدق التفاصيل حول واتسون، مستخدماً قدراته الاستنتاجية المذهلة ليخبره عن تاريخه العسكري وشخصيته بمجرد النظر إليه، مما يثير دهشة واتسون الشديدة ويجعله يسجل ملاحظاته حول هذه الشخصية المعقدة.

يتعمق واتسون في دراسة عادات هولمز الغريبة: ساعات طويلة من الصمت والتفكير العميق، ثم فترات نشاط محموم، وإتقانه للعزف على الكمان، واهتمامه اللامحدود بالصحف والمقالات الجنائية، واستخدامه للمواد الكيميائية بشكل متواصل. يدرك واتسون أن هولمز ليس مجرد عالم، بل هو مستشار خاص للشرطة، يحل القضايا المستعصية التي تعجز عن حلها سكوتلاند يارد. وبمرور الوقت، تزداد علاقة واتسون بهولمز قوة، وتنشأ بينهما رابطة من الثقة والاحترام المتبادل، رغم الاختلافات الجذرية في شخصيتيهما.

تصاعد الأحداث

في أحد الأيام، يقطع رتابة حياة واتسون وهولمز في شارع بيكر برقية عاجلة من سكوتلاند يارد، تطلب مساعدة هولمز في قضية قتل بشعة. تقع الجريمة في منزل مهجور في 3 لوريستون جاردنز، ويُعثر على جثة رجل يدعى إينوك دريبر. يهرع هولمز وواتسون إلى مسرح الجريمة حيث يواجهان المفتشين جريجسون وليستراد، وهما اثنان من أمهر ضباط سكوتلاند يارد، لكنهما يفتقران إلى بصيرة هولمز الفريدة.

يصف المشهد جريمة بشعة وغامضة: جثة دريبر ممددة على الأرض، لا تظهر عليها أي جروح أو علامات عنف واضحة، لكن وجهه يحمل تعبيراً من الرعب المطلق، كأنما رأى شبحاً قبل موته. الجدران القذرة تحمل كلمة “RACHE” (كلمة ألمانية تعني “انتقام”) مكتوبة بدم بشري، مما يزيد من الغموض. يبدأ هولمز فوراً في استخدام أسلوبه الخاص في التحقيق: يركع، يشم، يقيس، يفحص الأرض والجدران بأدق التفاصيل، مستنتجاً أن القتيل مات مسموماً، وأن القاتل رجل طويل القامة، وأن عربة أجرة “هانسم كاب” كانت في المكان. كما يجد خاتم زواج نسائي بالقرب من الجثة، وهو اكتشاف يتجاهله المفتشون في البداية، لكن هولمز يعتبره دليلاً حاسماً.

تتصاعد الأحداث بسرعة عندما يُكتشف أن جوزيف ستانغرسون، سكرتير دريبر وصديقه، قد قُتل أيضاً. يُعثر على جثته مطعوناً بسكين في فندق آخر في لندن. بجوار جثته، يجد هولمز علبة حبوب صغيرة تحتوي على حبتين: واحدة غير ضارة والأخرى سامة. هذه الحادثة تؤكد نظرية هولمز بأن هناك قاتلاً واحداً يستهدف دريبر وستانغرسون، وأن الأمر لا يتعلق بالسرقة أو العنف العشوائي. يتوصل هولمز إلى استنتاج مفاده أن القاتل هو سائق عربة أجرة، ويضع فخاً ذكياً للإيقاع به، مستعيناً بشبكة من أطفال الشوارع لجمع المعلومات. يُكلل الفخ بالنجاح، ويُلقى القبض على سائق العربة، رجل يدعى جيفرسون هوب، ليجد هولمز نفسه أخيراً أمام الجاني الحقيقي.

ذروة الصراع العميقة

بعد إلقاء القبض على جيفرسون هوب، يكشف هولمز وواتسون وجريجسون وليستراد عن القصة المروعة التي دفعته لارتكاب جرائمه. تبدأ الحكاية في صحراء يوتا القاحلة بالولايات المتحدة عام 1847، حيث كان جون فيرير الطفولي البراءة ورفيقته الصغيرة لوسي يتوهان بعد أن نجوا من مجزرة. يتضوران جوعاً وعطشاً، وعندما كادا أن يلفظا أنفاسهما الأخيرة، يُنقذهما مجموعة من المستوطنين المورمون يقودهم الزعيم بريغهام يونغ. يُرحب بالمُنقَذَين في مجتمع المورمون الناشئ، ويُقدم لهم الطعام والمأوى، ويُربيان لوسي كابنة لـ جون فيرير.

يكبر جون فيرير ليصبح رجلاً ثرياً وذو نفوذ بين المورمون، وتزدهر لوسي الفتاة الجميلة وسط هذا المجتمع المتدين. ولكن عندما تبلغ لوسي، تقع في حب جيفرسون هوب، وهو رجل شجاع من خارج مجتمع المورمون. ينمو حبهما ليصبح عميقاً وصادقاً، لكن هذا الحب كان ممنوعاً في ظل القوانين الصارمة للمورمون التي تفرض على الفتيات الزواج من رجال الجماعة. يطمع اثنان من قادة المورمون، إينوك دريبر وجوزيف ستانغرسون (اللذان أصبحا فيما بعد ضحايا هوب)، في الزواج من لوسي، ويزداد الضغط على فيرير لإجبار ابنته على الزواج من أحدهما.

يرفض فيرير بشدة، مؤكداً حق ابنته في اختيار شريك حياتها. يُمهله قادة المورمون بضعة أسابيع للامتثال أو مواجهة العواقب الوخيمة. في محاولة يائسة لإنقاذ لوسي، يخطط جيفرسون هوب لتهريبها مع والدها من مستوطنة المورمون. يبدأ الثلاثة رحلة خطرة عبر الصحراء القاسية، لكن مطاردي المورمون، المعروفين بـ “ملائكة الانتقام”، يلاحقونهم بلا هوادة. في ذروة المطاردة، يُقتل جون فيرير بوحشية على يد المورمون، وتُختطف لوسي لتعود إلى مجتمعهم. تُجبر لوسي على الزواج من إينوك دريبر، لكن قلبها المكسور وروحها التي أُنهكت لا تستطيعان تحمل الألم، فتموت بعد فترة وجيزة من زواجها القسري.

يتعهد جيفرسون هوب بالانتقام من دريبر وستانغرسون اللذين تسببا في مأساة حياته. يقضي سنوات طويلة في مطاردتهما بلا كلل، متتبعاً أثرهما من أمريكا إلى أوروبا، مدفوعاً بحمى الانتقام وحبه الذي لم يمت للوسي. تظهر هذه القصة الخلفية المأساوية أن جرائمه لم تكن مجرد أفعال عشوائية، بل كانت نتيجة لظلم عميق ومعاناة إنسانية شديدة.

النهاية بالتفصيل

بعد الكشف عن قصته المأساوية، يعترف جيفرسون هوب بكل تفاصيل جرائمه أمام شيرلوك هولمز والدكتور واتسون والمفتشين جريجسون وليستراد. يصف هوب كيف نجح في تتبع إينوك دريبر وجوزيف ستانغرسون إلى لندن بعد سنوات من البحث. في ليلة جريمة دريبر الأولى، كان هوب يعمل سائق عربة أجرة. عندما رأى دريبر مخموراً في الشارع، خطف الفرصة. أقنعه بالدخول إلى المنزل المهجور في 3 لوريستون جاردنز بحجة إخباره بسر مهم. هناك، واجه دريبر، وقدم له علبة تحتوي على حبتين: واحدة سامة والأخرى غير ضارة، مانحاً إياه “فرصة عادلة” لاختيار مصيره، تماماً كما أُجبرت لوسي على الاختيار بين الموت أو الزواج القسري. اختار دريبر الحبة السامة، ومات على الفور، تاركاً وجهه معبراً عن الرعب المطلق. كتب هوب كلمة “RACHE” (انتقام) على الجدار بدم دريبر، كتذكير بهدفه.

أما جريمة ستانغرسون، فكانت مختلفة بعض الشيء. بعد قتل دريبر، عثر هوب على الخاتم الذهبي الخاص بلوسي في المنزل المهجور، وحاول استخدامه للوصول إلى ستانغرسون، الذي كان يعتقد أنه يحتفظ بمذكرات تحتوي على معلومات عن لوسي. بعد أن أُدرك أن ستانغرسون يحاول الفرار، اقتحم هوب غرفته في الفندق. حاول ستانغرسون مقاومة هوب، وهاجمه بسكين. في الصراع الذي تلا ذلك، لم يتمكن هوب من إجباره على اختيار الحبة، فاضطر إلى طعنه، ليقضي عليه. يكشف هوب أيضاً أنه كان يعاني من تمدد الأوعية الدموية في الشريان الأورطي، وهي حالة خطيرة كانت تنهي حياته ببطء، مما يفسر اندفاعه لإنهاء مهمته الانتقامية.

بعد اعترافه الكامل، يتأثر واتسون بقصة هوب المأساوية، بينما يستمر هولمز في تركيزه على منطق الجريمة وحل اللغز. يموت جيفرسون هوب لاحقاً في سجن بلفيدير من جراء حالته الصحية المتدهورة قبل أن يحاكم، وهكذا ينتهي مطاف القاتل، لكن قصة انتقامه تبقى محفورة في ذاكرة من سمعها. يشعر هولمز بالضيق لأن الشرطة ستنسب النجاح في حل القضية إلى جريجسون وليستراد، بينما هو من فك جميع خيوطها المعقدة بعبقريته الفذة. يوضح هولمز لواتسون كيف توصل إلى كل استنتاجاته، بدءاً من ملاحظة حجم أحذية القاتل، إلى الكشف عن نوع التبغ الذي يدخنه، وسرعة عربة الأجرة. يعبر واتسون عن إعجابه الشديد بذكاء هولمز وقدراته الفائقة، ويدرك أن هذه هي بداية لمغامرات لا حصر لها سيخوضانها معاً. تنتهي الرواية بتثبيت دور واتسون كمدون لتفوق هولمز، وبتأسيس العلاقة الفريدة بين المحقق ورفيقه، والتي ستصبح أساساً لسلسلة من أعظم قصص الجريمة في الأدب الإنجليزي.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *