مقدمة وعالم الرواية

تُفتَح ستائر القصة على هاكلبري فين، الفتى المشاغب الذي طالما اعتاد العيش بلا قيود، قبل أن تنتشله الأرملة دوجلاس والآنسة واتسون من حياة التشرّد في بلدة سانت بطرسبرغ بولاية ميزوري. هما تسعيان إلى “تحضيره” وغرس الأخلاق والعادات الاجتماعية فيه، الأمر الذي يراه هاك عبئاً ثقيلاً يقيّد حريته الفطرية. يحاولان تعليمه القراءة والكتابة، وكيفية الجلوس على المائدة والتحلي بالأدب، بينما هو يتوق إلى الغابة والنهر والمغامرة. في خضم هذا الصراع بين الحضارة والبرية، يعود الأب “باب فين”، السكير العنيف، الذي يختطف هاك ويحتجزه في كوخ مهجور على الضفة الأخرى من نهر الميسيسيبي، طمعاً في المال الذي يملكه ابنه.

يقرر هاك أن يحرر نفسه بنفسه. بذكاء وحنكة، يزيّف موته بطريقة محكمة، ويستخدم دماً خنزيريّاً لتبدو الجريمة وكأنها فُعِلتْ بيدٍ آثمة، تاركاً خلفه مسرحاً يوحي بمقتله الوحشي. يهرب هاك إلى جزيرة جاكسون النائية في منتصف النهر، وهناك يلتقي مصادفة بـ “جيم”، العبد الهارب التابع للآنسة واتسون، الذي فرّ بعد أن سمع حديثاً عن نية مالكته بيعه إلى الجنوب، بعيداً عن عائلته. يتشكل بين الفتى والعبد الهارب تحالفٌ هشٌّ مبنيٌّ على الحاجة المشتركة للحرية؛ جيم يسعى إلى الولايات الحرة في الشمال، وهاك يهرب من قيود المجتمع ووالده المستبد. وهكذا، تبدأ رحلتهما الأسطورية على النهر العظيم، الميسيسيبي، حاملين آمالهما وأحلامهما فوق طوف خشبي بسيط، نحو المجهول.

تصاعد الأحداث

تتشابك أرواح هاك وجيم على الطوف، وتتوطد أواصر الصداقة بينهما مع مرور الأيام والليالي. يتشاركان الطعام والأحاديث، ويواجهان الأخطار والمخاوف. يكتشف هاك أن جيم ليس مجرد عبد، بل إنسان ذو مشاعر عميقة وروح طيبة وحكمة فطرية. في إحدى مغامراته، يتنكّر هاك في هيئة فتاة لجمع الأخبار من بلدة قريبة، ليكتشف أن والده “باب” مُشتبه به في “مقتل” هاك، وأن هناك مكافأة معروضة للقبض على جيم. يدرك الاثنان أن البقاء على الجزيرة خطير، فيقرران الانطلاق في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو الجنوب، مختبئين نهاراً، مبحرين ليلاً، آملين في الوصول إلى “كايرو”، حيث يتلاقى نهر الميسيسيبي مع نهر أوهايو، الذي سيقودهما شمالاً إلى الولايات الحرة.

لكن الضباب الكثيف يضللهما، ويقودهما القدر إلى الانجراف عميقاً في قلب الجنوب، إلى أراضي العبودية الخطرة. تتخلل رحلتهما سلسلة من اللقاءات والتجارب التي تكشف لهاك الطبيعة المتناقضة للمجتمع البشري. يشهد صراعاً دموياً لا معنى له بين عائلتي الجرانجرفورد والشيبردسون، يعكس وحشية الإنسان وغباء التقاليد. ثم يلتقيان بشخصيتين محتالتين متقمّصتين، يُعرفان باسم “الدوق” و”الملك”، وهما يقومان بسلسلة من الحيل والخداع لإيهام الناس، مثل عرض “رويال نونساتش” المسرحي الفاضح، والوعظ الكاذب في التجمعات الدينية. يراقب هاك هذه الفظائع بعين ناقدة، وتنمو بداخله بذور الشك حول مدى “حضارة” هؤلاء البشر، وحقيقة القيم التي تدّعي المجتمعات تمسكها بها. يتسع عالمه، وتتغير مفاهيمه عن الخير والشر، والحق والباطل.

ذروة الصراع العميقة

تصل رحلة الدوق والملك المحتالين مع هاك وجيم إلى ذروتها الدرامية عندما يقرران الاحتيال على عائلة ويلكس الثرية، مدّعيين أنهما الأخوان المفقودان لبيتر ويلكس المتوفى حديثاً، بهدف الاستيلاء على ميراثه الكبير. يشهد هاك على تعاطف وإنسانية بنات ويلكس الثلاث، خاصة الشابة ماري جين، ويشعر بوخز الضمير من هذا الخداع الشنيع. ينمو بداخله صراع أخلاقي عنيف؛ فمن جهة، تعلّمه تربيته المجتمعية أن الكذب مقبول إذا كان لحماية نفسه أو لغايات أقل شراً، ومن جهة أخرى، يرى براءة الأخوات البريئات وكيف يتم استغلالهن. يتخذ هاك قراراً شجاعاً بالتدخل لإنقاذهن. يسرق المال الذي جمعه المحتالان ويخبئه، محاولاً فضح مخططهما الشرير.

ينجح هاك جزئياً في كشف الحقيقة، لكن وصول الأخوين ويلكس الحقيقيين يؤدي إلى مشهد فوضوي ومعقد، يكاد فيه هاك أن يُكشف. يتمكن هاك من الهرب مع المال، محاولاً اللحاق بجيم، لكنهما يُقبَضان مرة أخرى على يد الدوق والملك. وفي قمة الخسة، يقوم المحتالان ببيع جيم إلى مزرعة “فيلبس”، معتقدين أنه عبد هارب عادي، مقابل أربعين دولاراً، دون أدنى اكتراث بمصيره أو صداقتهما المزعومة. هنا، يواجه هاك أعمق صراع في حياته. المجتمع علّمه أن مساعدة عبد هارب هي خطيئة كبرى، قد تُدينه وتُلقيه في الجحيم. يشعر بالذنب تجاه “خيانته” للمجتمع وقوانينه. لكنه يتذكر طيبة جيم، وإنسانيته، وصداقتهما. تتصارع في داخله أصوات الضمير والعقل والتربية. وفي لحظة تتجاوز فيها الأخلاق الفردية كل القيود الاجتماعية، يصرخ هاك بقراره الشهير: “حسناً إذن، سأذهب إلى الجحيم!”، ليختار إنقاذ جيم، رفيقه وصديقه، متجاهلاً بذلك كل ما علّمه إياه المجتمع عن الصواب والخطأ، ومؤكداً على إنسانيته الحقيقية.

النهاية بالتفصيل

يصل هاك إلى مزرعة فيلبس، ويُستقبل بحفاوة غير متوقعة، حيث يُخطئونه بتوم سوير، ابن أخت صاحبة المزرعة، الذي كان من المتوقع أن يزورهم. يستغل هاك هذا اللبس ليتمكن من البقاء والبحث عن جيم. عندما يصل توم سوير الحقيقي، يدرك الموقف بسرعة ويوافق على اللعب دور “سيد”، شقيقه الأصغر، للمساعدة في “تحرير” جيم. لكن توم، المشبع بخيال الروايات الرومانسية للمغامرات، يرفض فكرة التحرير البسيطة. بدلاً من ذلك، يصر على جعل عملية الهروب مغامرة معقدة وملحمية، مليئة بالتفاصيل التي لا طائل منها والمستوحاة من كتب الأسر والسجون، وذلك دون أدنى اعتبار لمعاناة جيم الحقيقية أو للخطر الذي يتعرضان له.

يخضع جيم بصبر لتلك المسرحيات العبثية، التي تتضمن حفراً بطيئاً بالسكاكين، وكتابة رسائل غامضة، وإدخال الفئران والأفاعي والعناكب إلى زنزانته، وكلها إجراءات تهدف إلى إثراء قصة هروبه بدلاً من تسريعها. تبلغ مخططات توم ذروتها في محاولة هروب فاشلة، تُصاب فيها ساق توم بطلق ناري. وهنا، تتجلى إنسانية جيم بأبهى صورها؛ فبدلاً من اغتنام فرصة الهروب إلى الحرية، يرفض جيم التخلي عن توم المصاب، ويبقى إلى جانبه ليعتني به، مما يضحي بحريته الثمينة من أجل رفيقه. هذا العمل النبيل يعمق فهم هاك لجيم كإنسان لا يقل عن أي شخص آخر قيمة واحتراماً.

بعد فترة وجيزة، تصل العمة بولي، أخت والدة توم سوير، لتكشف عن هويتي هاك وتوم الحقيقيتين، وتوضح اللبس الذي حدث. عندئذٍ، تُكشف الحقيقة الكاملة: الآنسة واتسون، مالكة جيم الأصلية، قد توفيت في وصيتها التي كتبتها قبل وفاتها، وطلبت فيها تحرير جيم. لقد كان جيم حراً طوال الوقت دون أن يعلم! يكشف جيم أيضاً سراً آخر كان قد أخفاه عن هاك حمايةً لمشاعره؛ الجثة التي رأياها في المنزل العائم الغارق في وقت سابق كانت جثة والد هاك، باب فين. وهكذا، يتحرر هاك أيضاً من سيطرة والده إلى الأبد. ومع انتهاء المغامرة، ووعي هاك الكامل بقيم الحرية الحقيقية التي وجدها بعيداً عن “الحضارة”، يقرر هاك أنه لن يسمح لنفسه بالوقوع في فخ التقاليد الاجتماعية مرة أخرى، ويعلن عن نيته “الفرار إلى الأقاليم” المجهولة في الغرب، بعيداً عن كل من يسعى لـ “تحضيره”، ليتبع بوصلته الأخلاقية الخاصة ويعيش حياته بالطريقة التي يراها صواباً.

من حكايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *